عمر وباسل

Your pictures and fotos in a slideshow on MySpace, eBay, Facebook or your website!view all pictures of this slideshow

الثلاثاء، 29 يوليو، 2008

( ست الحزن ) ( الجزء السادس والأخير : الرحيل )


( ست الحزن ) ( الجزءالسادس والأخير: الرحيل )

اتفقنا إذن على عدم اللقاء بعد أن عرضت علىّ البقاء معها فى الفندق لنتحدث .. كنت أثق أنها ستتصل بى ولن تلتزم بالاتفاق وكنت أشك أننى أيضا سألتزم .. فى صباح اليوم التالى اتصلت بى من الفندق وكنت أعرف أنها تتصل من الفندق لأن الاتصال يكون مصحوبا برنين موسيقى مميز .. ولما رد أحد غيرى وضعت السماعة .. مضى يومان أو ثلاثة ولم يتصل أحدنا بالآخر ..
اعتقدت أنها سافرت للقرية لإصلاح الأمور هناك ، اتصلت بها وسألت نفسى لماذا أتصل رغم اتفاقنا وكانت الإجابة أننى أتصل لأننى أود أن أتصل وأريد أن أراها وفقط .. اتصلت عدة مرات وتركت لها رسالة فى استقبال الفندق بسؤالى عنها عدة مرات .. تلزمنى الأمانة والحماقة أن أقول إننى ازددت قلقا وتوترا خلال هذه الأيام وكنت أجلس عند محمود صالح منتظرا دخولها فى أى لحظة .. فى ظهر أحد الأيام اتصلت بى من موبايل قالت إنه لأحد الأصدقاء وإنها تتصل من سيارته وتريد الحديث معى ربع ساعة فقط لارتباطها ببعض الأصدقاء وكانت ذاهبة إلى كنتاكى فاتفقنا على اللقاء هناك ، الطريف أن هذه الربع ساعة استمرت حتى الواحدة صباحا ... وجدتها تجلس هناك مع رجل قدمته لى : الأستاذ عبد الله من السعودية .. فتذكرت أننى حين سألت عنها فى الفندق سألنى موظف الاستقبال هل أنا الأستاذ عبد الله ؟ .. تركنا الرجل بمفردنا .. قالت إنها بعد آخر لقاء لنا كانت تسأل عن الرجل السعودى الذى أجرى معى المقابلة لتعطيه قصصى التى طلبها ، وكانت تعتقد خطأ أنه هذا المدعو عبد الله فتعرفت عليه وجلست معه بالفندق لأنها كانت فى أمسّ الحاجة لمن تتكلم معه وعرض عليها سى عبد الله أن ترافقه إلى الإسكندرية فذهبت معه وقضت هناك يومين ، بل قالت إنها ستعود إلى هناك الآن وتود أن أصحبها .. انفجرت فيها موبخا بعنف قائلا إن تصرفها هذ ا فى منتهى الاستهتار والتسيب وربما الانحلال ، فكيف تتعرف على أحدهم بهذه السرعة وتسافر وتجئ معه بهذه البساطة خاصة وهو ليس مصريا ولا تعرف كيف يفكر .. قالت إنه إنسان مهذب يعاملها بمنتهى الاحترام ، صحيح أنه سألها إن كانت توافق على الزواج برجل سعودى أم لا ولكنه يعاملها كأصدقاء .. أحسست بالقرف الشديد على وجه الدقة وشعرت أنها عادت لتتخبط من جديد ..
فجأة أبصرنا اثنين من أعضاء مجموعتنا القديمة يجلسان بالقرب منا وكانا من دفعة كريمة فقامت لتسلم عليهما وجلست معهما لمدة عشر دقائق وأنا أجلس بمفردى ولم تستأذن منى للتأخير ، قمت من مكانى منفعلا وألقيت عليهم السلام قائلا إننى سأرحل ... هرولت ورائى إلى الرصيف وهى تنادينى وتعتذر وتقول إن تصرفى هذا تصرف صبيانى يدل على غرورى ، فقلت إننى أعرف أنه تصرف صبيانى ولكنها هى التى دفعتنى إليه .. قالت أرأيت أن هناك من التصرفات ما تعرف أنها خاطئة ولكنك تفعلها إذا دُفعت لها دفعا ، فلماذا تلومنى على سفرى معه بعد أن تركتنى وحدى واتفقت معى على عدم اللقاء وأنت الوحيد الذى لى فى هذا العالم الآن ؟ ..
كانت مقارنة التصرفين غير معقولة طبعا فى نظرى .. دخلنا جزيرة الورد بحثا عن بقعة ظل وعدت للسخرية من سفرها معه فأكدت أنها سافرت معه فقط وأنها قضت الوقت هناك بمفردها وعادت لتؤنبنى على تركى لها فقلت لها إنها لو انتظرت لوجدتنى أتصل بها كما حدث .. قالت إنها مضطرة للعودة إلى الإسكندرية معه لأن حقائبها هناك لأنها تركت فندق مارشال .. قابلناه مرة أخرى وبينما كانت تتحدث معه فى السيارة فتحت ُ الباب وقلت لها انزلى .. تدخل هو فى الكلام وكدنا نتشاجر وأصابنى استياء شديد منها ومن الموقف كله فقد بدونا كما لو كنا نتشاجر عليها ، لكننى لم أرد أن أتركها تسافر معه مرة أخرى .. انتهى الموقف برحيله وهو يفتعل التهذيب والاعتذار .. قلت لها أن تتصل بالدليل لتحصل على رقم الفندق فى الإسكندرية وتخبرهم أنها ستبعث سائقا لأخذ حقائبها ونفذت ما قلته وقالت إنها تود الذهاب إلى محمود صالح لتستريح قليلا حتى يعود السائق بحقائبها لأنها تركت نقودها هناك أيضا وبالتالى لا تستطيع الذهاب إلى فندق الآن .. شتمتها بغضب عدة مرات على استهتارها المتزايد بتركها النقود أيضا وتحملتنى قائلة : أنا تعبانة قوى وبقالى 3 أيام مانمتش ..
كنت أعرف أن محمود صالح لا يود رؤيتها من الأساس فحاولت إثناءها عن الذهاب لكنها أصرت ..حكينا له الموقف وكان الضيق باديا عليه ونزلت هى للاتصال بالسائق فقال لى محمود إنه لا يود رؤيتها بالفعل ولا البقاء معها وسيخرج الآن لارتباطه بموعد ويتركها مع والدته ومعى ولن يعود الآن .. قلت إنها ستفهم هكذا أنه لا يود مساعدتها ولا رؤيتها فرفض الانتظار ونزل .. لم أجد حلا سوى أن أقترض لها نقودا بسرعة لأننى كنت مفلسا كالمعتاد ، لأحجز لها فى فندق آخر حتى يأتى السائق .. اقترضت من شقيقتى وكان الوقت مساء وأنا وهى ومحمود الذى ورطته هى فى مرافقتنا ، نبحث عن حجرة فى فندق ولا نجد بسبب ازدحام المدينة ليلتها ببعض الفرق الرياضية على ما أذكر ، بعد مجهود كبير عثرنا على حجرة فى فندق جزيرة الورد وكانت الساعة الثانية عشرة مساء ومحمود يكاد يموت من التعب والغيظ وأنا أستحلفه كل دقيقة ألا يقول لها شيئا .. أعطتنا رقم الفندق وقالت إنها ستتصل بى لترد النقود التى أخذتها منى .. أقسم محمود أنه لو رآها مرة أخرى فسينفجر فيها وكنت لا أزال أرى انفعاله زائدا وغير مناسب للموقف .. وكانت هذه آخر مرة يراها محمود .. بعد ظهر اليوم التالى اتصلت بى من الفندق وذهبت وأعطتنى النقود وكانت منهكة جدا جدا جسديا وعقليا ونفسيا ، تحدثنا عشر دقائق فقط وتركتها لتكمل النوم .. فى اليوم التالى ذهبت لها فقالت موظفة الفندق أنها تركت الفندق أمس ، تعجبت جدا واتصلت هى بعد ساعات تخبرنى بالفندق الجديد ، قالت إن مدير الفندق حاول التعرف عليها بطريقة سخيفة فتركت الفندق ، قلت إنها أصبحت كمن يقوم بدراسة عن الفندقة فى المنصورة وتمنيت ألا تترك الفندق الجديد أيضا ..
أبلغتها ما قاله محمود كما طلب منى واستاءت جدا ولم تفهم شيئا ولكنها قالت إنه سيظل غاليا عليها .. أخذت أعرض عليها طرقا للاتصال بعائلتها وإصلاح الأمور قبل سفرها فقالت إنها لا تتحمل أى ضغط وقالت إننى لا أعرف كل الضغوط التى تتعرض لها وأحسست أنها تخفى سرا ، وخمنت السر الرهيب هذا فيما بعد كما سيجئ ..
كانت قد اضطرت لتأجيل موعد السفر لتوثيق تنازلاتها لزوجها حتى تتسلم ورقة الطلاق وبالتالى نفدت نقودها وطلبت منى تدبير مبلغ لها ، كانت نقودى مع دخل الربيع فى المطرية وكنت سأتسلم مكافأة الامتحانات فى تلك الأيام وقد بدأت أجهز أثاث الشقة للزواج .. وعدتها أن أحضر لها النقود .. سافرت لدخل الربيع وحكيت لها عن كريمة ومقابلاتى معها ولكننى لم أذكر كل التفاصيل وقتها ولكن فيما بعد قرأت مذكراتى كاملة وعلمت كل شيء بالتفصيل الممل .. قلت لها إننى أقف بجوارها بحكم الواجب ولأنها عزيزة علىّ بالفعل ولكننى لم أعد أحبها .. أخذت أنظر إلى وجه دخل الربيع وأسرح فى الاثنتين ووجدتنى بتلقائية أشعر أننى أحب دخل الربيع ولا أحب ست الحزن ، هكذا شعرت ..
عدت وأعطيتها المبلغ المطلوب وعلقت قائلة إنه لشيء غريب أن تعود هى بعد سنوات لتأخذ جزءا من نقود جهازى لتسافر به وأكدت أنها سترسله لى بالبريد السريع فورا ..
فى اليوم التالى أرادت أن تشترى بعض الأشياء وكنت معها ، يومها كان لدىّ موعد مع بعض الأصدقاء فى الجامعة فذهبت معى .. تحدثنا يومها كثيرا جدا وكان يوما هادئا بلا انفعال .. حدثتنى عن حياتها هناك وعن ابنتها وعن رجل إيطالى مسلم تعرفت به هناك وأصبح لها فى مكانة د . عمر لنا جميعا .. فهو رجل ودود جدا وكبير فى السن ويعاملها كابنته وطلب منها أن تحضر له بعضا من تراب مصر وكمية من ماء النيل معها ..
فى اليوم التالى كان لقاؤنا الأخير فى الفندق من الرابعة عصرا حتى السادسة .. أخذت معى رباعيات صلاح جاهين ، الكتاب وشريط على الحجار ، وكانت قد طلبت الرباعيات منى لكثرة حديثى عن حبى لها .. حدثتنى مرة أخرى عن حياتها هناك وكانت لم تذكر خالها أبدا أثناء الحديث فقلت أنا إن خالها لابد هو الحسنة الوحيدة هناك فقالت إنه السيئة الوحيدة هناك .. قالت إنها ستحكى لى أشياء لم تذكرها لأحد ولا حتى د. عمر حين قابلته .. قالت إن خالها أشعرها أنها عبء عليه وووجدته شخصا آخر غير الذى عرفته ، رغم أنها حاليا تنفق على نفسها وعلى ابنتها ، قالت إنه يريد إخراجها من شقته التى تركها لها وحدثت بينهما الكثير من المشاكل التى بدا فيها أنه ليس إنسانا بالمرة وبعدها يتصرف كأنه لم يفعل شيئا .. فى ليلة ما كان فى الشقة وتشاجرا معا فقام بإخراجها من الشقة عند منتصف الليل فقامت بالبحث عن صديقها الإيطالى العجوز ليساعدها فوجدته مسافرا فقضت الليلة فى الشارع .. ياااااه .. لقد ارتجفت وأنا أتصور شعورها عندئذ .. لابد أنها شعرت أنها مطرودة من الدنيا كلها .. لابد أن قلبها وجسدها ظلا يرتجفان طوال الليل ..فى الصباح عادت إليه فقابلها كأنه لم يفعل شيئا .. كنت سأسألها أهو يشرب الخمر مثلا ، لكننى تراجعت ..
فى مرة أخرى أغلق عليها الشقة من الخارج ومعه المفتاح ، حاولت أن تخرج بدون فضيحة فقضت فى الشقة ثلاثة أيام محبوسة ، ثم اتصلت بالبواب بحيلة ما واتصل هو بالمطافئ وفتحوا لها الباب ..
ذهبت فورا لقسم الشرطة وروت للضابط الشاب ما حدث والذى قال لها أنها لو تقدمت بشكوى رسمية ضد خالها فسيكون عقابه صارما جدا لدرجة أنه يمكن ترحيله من البلاد ، قالت إنه خالها ولا تريد أن تصل الأمور بينهما إلى هذه الدرجة ، فارتدى الضابط الشاب ملابسه المدنية وذهب إلى خالها فى شقته الثانية وأحضره إلى القسم بهدوء وجعله يوقع تعهدا بعدم التعرض لها بعد أن شرح له العقوبة التى من الممكن أن يتعرض لها ... أخذت أتخيل شكل العلاقة بينهما بعد هذا الموقف .. لابد أن حياتها كانت هناك جحيما بالفعل .. وبدأت أتصور كم الضغوط التى كانت تلمح لها كل مرة والغريب أنها لم تصارحنى بها إلا فى اليوم الأخير يوم سفرها ..
قالت إنها تفكر جديا فى ترك ميلانو والهرب بعيدا عن خالها وإن الصديق الإيطالى فى سبيله للاتفاق لها على عمل بمستشفى فى سويسرا وإنها تنوى السفر إلى هناك بدون علمه .. نصحتها بالتريث وتساءلت هل تبحث بيدها عن الغربة والوحدة والفقد ؟ .. اقترحت عليها أن تعود إلى مصر وتتسلم عملها كمدرسة وتنفق على نفسها وابنتها حتى تحل مشاكلها مع أهلها وبالتأكيد سأقف بجانبها أنا ود. عمر .. لم تكن تعرف أن من حقها استرداد تعيينها كمدرسة بعد أن تركت التعيين لتسافر .. قالت إنها تخشى من أن خالها سيحاول إفساد أمر سفرها لسويسرا لو علم وإنها متأكدة أنها عندما تسافر فسيحاول إفساد علاقتها بأهلها أكثر وسيقول إنها هربت وتركته بعد اهتمامه بها .. اتفقنا أن تتصل بى بعد وصولها وأن ترسل لى النقود بالبريد السريع وأن أكتب لها أولا ثم تكتب لى .. أخذت ألح عليها لتوصيلها إلى المطاركما طلبت هى فى البداية فرفضت لأن وجودى سيمثل ضغطا على أعصابها لن تتحمله ولأنها تود الانفصال عن هنا تماما قبل العودة للتواءم مع ما ينتظرها هناك .. تذكرت أنها فى البداية توقعت أننى سألح عليها بمرافقتها وسترفض هى فى النهاية بعد أن كنت أنا الذى رفض فى البداية وتساءلت بينى وبين نفسى كيف خمنت هى هذا ولم أجد إجابة كالمعتاد مثل عشرات الأسئلة التى ظلت بلا إجابة ..
سألتها إذا كانت تحتاج شيئا وأكدت لها أننى بجانبها مدى الحياة بغض النظر عن مسمى علاقتنا واختلاف طرقنا فى الحياة ..
قالت إنها لم تعد تثق فى أى مخلوق فى الحياة ولكنها ستظل تعتبرنى استثناء من هذه القاعدة وأنها تعرف أننى سأظل مخلصا لها أبدا ..
تركتها على باب الفندق .. صافحتها بحرارة قائلا : لا إله إلا الله .. وردت : محمد رسول الله .. وكأنها بهذا كانت تنطق الشهادة قبل موتها فلم أرها بعد ذلك أبدا .. لعل البعض يتوقع أن الطائرة انفجرت مثلا .. كلا .. فالأسوأ دائما آت معها ..
مضى شهر كامل ولم تتصل ولم ترسل النقود .. كانت قد أعطتنى عنوانها ورقم تليفون الشقة ، اتصلت بها فلم يرد أحد .. بعثت خطابا فلم ترد .. اتصلت بى فجأة تعتذر بشدة وتقول إنها بعد وصولها بمدة قصيرة أصيبت بحمى وظلت فى المستشفى مدة طويلة جدا ، شعرت أنها ليست الحقيقة وأنها تتحرج من قول شيء .. بعدها لم تتصل ثانية ولم ترد على خطابى الآخر .. ظللت أحلل ما حدث مدة طويلة وأتذكر قولها أننى بعد سفرها سأعرف الحقيقة وهل كنت لا زلت أحبها أو لا .. وتذكرت أنها حكت لى قصة فيلم أجنبى يتشابه كثيرا مع قصتنا ، عن فتى وفتاة جمعتهما علاقة صداقة فى الظاهر ولا يدرك أى منهما حقيقة علاقة الحب القوية التى تربطهما ولذلك ارتبط كل منهما بشخص آخر وسارت الحياة بكل منهما فى طريق مختلف وعندئذ افتقد كل منهما الآخر وأدرك حقيقة مشاعره وفى النهاية يلتقيان من جديد ..
وبغض النظر عن كونى عرفت شيئا أو لا أو كونكم عرفتم أنتم أيضا أى شيء فالمهم أننا ليس أمامنا أى فرصة للقاء كأبطال ذلك الفيلم ..
بالصدفة كنت عند رفيق وكان يتحدث عن صديق له أو بلدياته مسافر إلى إيطاليا ، سألت رفيق هل من الممكن أن نعطيه العنوان ليسأل عنها ، وفعلنا ذلك وجاءنا الرد بعدم استدلاله عليها ولم أكن أعرف اسم خالها بالكامل فيئست .. ثم طلبت من د. عمر أن يسأل بعض البنات من نفس قريتها أو من زميلاتنا القدامى ففعل .. قيل إنها ماتت هناك فى حادث .. تصورت أن هذه إشاعة من أهلها لقطع سيرتها تماما ومحوها من محيط حياتهم ... بعدها قال لى محمود صالح إن هند زميلتنا القديمة قالت نفس الكلام وقالت كلاما غريبا يتردد فى القرية عن شيء غامض بينها وبين خالها .. وأكدت موتها .. تزوجت ومرت سنوات ، قابلت زميلا لى من دفعتى كان رئيس اتحاد الطلبة وصديق للأستاذ أحمد زوجها .. كنت لم أره منذ سنوات فجلسنا نتحدث كثيرا ونتذكر الأيام الخوالى ، جرنا الحديث عن الأدب والقصص وانقطاعى عن الكتابة للحديث عن الرفاق ولم يكن يعرف شيئا عن علاقتى بها ولكننى كنت أعرف أنه صديق زوجها فسألته عنها فقال إن زوجها سافر بالفعل إلى إيطاليا لاستلام ابنته من دار لرعاية الأطفال بعد موتها مقتولة وإن المتهم هو خالها المستقر حاليا فى السجن .. قال إن زوجها وجد ابنته مسجلة رسميا باسم الخال كما قالت هى لى من قبل لأنها لم تستطع نسب البنت لأبيها بسبب تعقيد الإجراءات لأنه خارج إيطاليا ، ففشل فى استعادتها وعاد والمفترض أنه سيسافر مرة أخرى لإحضارها واستلام تعويض مادى كبيرلم أعرف مصدره .. قال زميلى إن هذا الكلام سمعه من زوجها نفسه وعلم أنه سافر بالفعل وبالتالى فهو كلام نهائى .. لا أبالغ حين أقول إن ذهولى لم ينته حتى هذه اللحظة .. رحت أسترجع كلامها عن خالها وعن المغزى الواضح من كلامها عن اضطهاده لها ولكنى لم أفهم وقتها شيئا وأننى أحسست أنها تخفى شيئا تتحرج من قوله .. فهل حاول إجبارها على ........... على شيء وكان هذا سبب الخلاف .. لا أعرف ..
وإذا كان الأمر كذلك فكيف عادت ولماذا لم تحضر ابنتها معها لتستقر هنا .. وهل أهلها لا يعرفون الحقيقة وكيف من الأساس قست قلوبهم لهذه الدرجة المتوحشة .. وأى عذاب قاسته تلك المسكينة هناك .. استرجعت تناقضاتها والتصرفات التى أغضبتنى منها أثناء تواجدها معى ، ولم أجد شعورا بداخلى سوى الإشفاق اللانهائى عليها وعلى ابنتها مجهولة المصير حتى لحظة كتابة هذه السطور..
تساءلت بالطبع كيف كانت مشاعرى نحوها لكن الإجابة كانت مرعبة للغاية فى كل الأحوال بعد تلك النهاية المأساوية .. هربت من السؤال طويلا لكنها لم تكف بعد عن ملاحقتى أحيانا فى حلم عابر، أو خاطرمفزع برأسى ، هل لو كنت فعلت أنا غير ما فعلت كانت النهاية ستختلف .. لم أكن لأعصمها من الموت بالطبع ولكن ألم يكن من الجائز أن أقنعها بإحضار ابنتها والعودة .. وهل أخطأت أنا أيضا معها من البداية حين تركتها تتزوجه .. صحيح كنت أشك فى حبها لى ولكننى كنت أثق أنها ستفشل معه فهل أنا مذنب معها فى حق نفسها .. وابنتها .. هل عادت إلى مصر .. لم أحاول السؤال عنها وكأننى أخشى أن تكون الإجابة نعم فيتأكد الخبر أكثر مما تأكد .. ترى هل من الممكن أن أرى ابنتها ذات يوم .. فكرت مرة فى كتابة قصة قصيرة عن ابنتها وأننى سأجدها تلميذة فى أحد فصولى ذات يوم .. لكننى لم أكتب .. ظلت فكرة روايتى الأولى ست الحزن تراودنى كثيرا لكننى عجزت دوما ولا أعرف السبب الحقيقى ..
هه ما رأيكم دام فضلكم .. انتهت الحكاية ويا ليتها لم تنته .. ما أريده منكم إذا تكرمتم بالتعليق هو الدعاء لها كلما تذكرتم بأن يشملها الله برحمته الواسعة ومغفرته ويعوضها خيرا عما لاقته من حزن حتى أصبحت بحق ست الحزن .. آمين آمين .
( لا شيء يبدو علينا )
وحين يغيب الحبيب الغياب الأخير
وبعد البكاء المدوى
يجئ بكاء اليقين
هنا لا دموع ولا صوت
لا شيء يبدو علينا
كأنا نواصلُ
لكننا فجأة ربما بعد عام وعامين
أو فى شرود يباغتنا قرب مرآتنا
حيث موس الحلاقة فى كفنا
يتوقف فى صفحة الخدّ
ندرك أن أمرّ البكاء
البكاء الذى لا يُرى
وأنا
كلُّ ما فىّ يبكيك إلا عيونى .

خلاص هتجنن




خلاص بجد هتجنن .. حد يفهمنى يا أولاد الحلال ..هاتان الصورتان بنفس الامتداد gif  وهما متحركتان فى الأصل وقد أرفقتهما فى الرسالة بنفس الطريقة تماما ومع ذلك ها هى أمامكم الأولى فقط تتحرك والثانية ثبتت فلماذا ؟ سألت كثيرا ولم يدلنى أحد فقلت سأجرى تجربة أخيرة بوضعهما فى رسالة واحدة لعلى أفهم وهممت بحذف الرسالة لأننى لم أفهم شيئا ولكن خطر لى أن أحدا منكم قد يفهم شيئا ؟ مع تأكيدى أنهما فى الأصل بنفس الامتداد المذكور ومتحركتان عندى على الجهاز .. أفيدونا أفادكم الله.

* جاءنى الرد من ابن خالتى العزيز المهندس الصغير محمد عطية باختصار وهو :

try to upload it on www.imageshack.us

وبالفعل دخلت الموقع والذى لا يتطلب منك عضوية لتحميل الصور ، لكن المشكلة كانت أن حجم الصورة لابد ألا يزيد عن 320×240 وحاولت تصغير الصور المتحركة بالبرامج العادية مثل photo filtre وغيره فثبتت الصورة ، فلجأت إلى الفوتو شوب وإيميج ريدى وقمت بتعديلها للحجم المطلوب ورفعتها بالموقع الذى يعطيك لينك الصورة المباشر لتضعه فى الرسالة فتظل بالفعل متحركة ، كل الشكر لك يا محمد يا بن خالتى .

الأحد، 27 يوليو، 2008

حل الواجب التدوينى



 ( حل الواجب التدوينى )   

وصلنى هذا الواجب من العزيزة فسدقة والتى أشكرها على هذا الشرف ، الحقيقة كنت أنوى تأجيله لحين الانتهاء من ست الحزن ، لكننى خشيت التأخير فيتهمنى أحد بالبلادة ، فهذا هو مع جزيل شكرى وامتنانى يا فسدقة وفى انتظار تصحيحك للواجب وإعطائى درجة .

          س : اذكر 6 أسرار قد لا يكتشفها من يقابلك أول مرة .
قوانين الواجب :

1. اذكر اسم من طلب منك حل هذا الواجب .

2. اذكر القوانين المتعلقة بهذا الواجب .

3. تحدث عن ستة أسرار قد لا يكتشفها من يقابلك للمرة الأولى .

4. حول هذا الواجب إلى ستة مدونين ، وأذكر أسماءهم مع روابط مدوناتهم في موضوعك

5. اترك تعليقا في مدونة من حولت الواجب عليهم ، ليعلموا عن هذا الواجب .

الإجابة

( 1 ) تمنيت أن أكون لصا

ولكن ليس أى لص .. فقد تمنيت فى طفولتى أن أكون ( أرسين لوبين ) اللص الظريف الشريف .. كنت أعشق وأدمن رواياته فى الصغر وظل لفترة طويلة بطلى المفضل ، بذكائه الخارق وشجاعته النادرة ورومانسيته الساحرة وخفة ظله .. لا زلت أذكر له روايته ( كنوز أرسين لوبين ) وهو يحمل جثة حبيبته - كنزه الحقيقى -  التى ماتت بين ذراعيه ويسير بها فى الغابة كسيرا باكيا بحرارة وأنا معه .. أتساءل الآن ماذا لو كان الحلم تحقق وأصبحت أرسين لوبين ، من سيكون أول ضحاياى ؟ .. إنهم عشرات من المسئولين غير الشرفاء الذين تمتلئ خزائنهم بثروات الشعب الذى لا يجد قوت يومه .. سأسطو على خزائنهم وأدور بالأموال على الأحياء الشعبية الفقيرة والقرى المعدومة ، أوزع النقود على الشباب العاطل وموظفى علاوة ال 30 % المساكين والأرامل والعجائز واليتامى و ..............

نعم ؟؟ .. ما هذه الرزم المطلة من جيبى ؟! .. يا جماعة طباخ السم لابد أن يتذوقه ..

( 2 ) أحب المقالب

نعم أحبها جدا بشرط أن أكون فاعلها وليس ضحيتها .. سأحكى لكم ألذ مقالبى .. كانت الضحية المسكينة شقيقة زوجتى وكانت طالبة جامعية لا تزال وأقامت معنا فترة .. انسحبت من لسانها مرة وتحدتنى فى أمر ما فتوعدتها .. كنا نشاهد فيلم طاقية الإخفاء الذى يتحدث عن بودرة العفريت ولمعت الفكرة الجهنمية برأسى ، فعلقت قائلا إن هناك بالفعل ما يسمى بودرة العفريت وهى مادة بيضاء إذا أصابت الجسم تنتابه حالة رهيبة من الحساسية الجلدية والرغبة فى الهرش المستمر و .... و .....وأن بعض العطارين يبيعونها بالفعل .. قلت هذا وانتظرت عدة أيام لتختمر الفكرة فى عقلها الباطن .. اشتريت بعض الدقيق الأبيض ووضعت قليلا جدا منه فى كيس صغير وأخفيت الكيس فى مكان جهنمى ، نزعت بطاريات الراديو كاسيت من الخلف ووضعت الكيس مكانها .. بدأت التهديد بأننى اشتريت بودرة العفريت بالفعل وعلى جميع المقيمين بالمنزل السمع والطاعة وإلا ........ تحدثت بمنتهى الجدية وأكدت أننى أخفيتها فى مكان جهنمى وأعلنت عن رهان لمن يجدها .. قلبت هى وزوجتى المنزل رأسا على عقب ولم يجدوها بالطبع .. سهلت عليهم البحث وحددت لهم الحجرة التى توجد بها البودرة ، ظلوا يفتشون الحجرة والكاسيت أمامهم .. قالوا إنها خدعة قصدت بها إتعابهم فى البحث ، عندئذ أخرجتها من الكاسيت .. يااااااه .. حتة مخبأ !! .. خلاص يا عم مصدقين بس ارحمنا .. انطلت عليهم اللعبة لكننى انتظرت أياما أخرى وافتعلت موقفا وغضبت منها وجريت وأحضرت الكيس وفتحته أمامها وهى تصرخ ، وجهته نحوها وصراخها يتزايد ، أصابها الرذاذ العفريتى فكادت تصيبها لوثة و ...

قلبى الطيب تعطف أخيرا وانفجرت ضاحكا واضعا يدى فى الكيس ببساطة وهى تحملق بذهول ...........

( 3 ) أحب منى الشاذلى

أحبها بالفعل شكلا وموضوعا ولولا أننى أعرف أنها متزوجة وأنها من الأساس لا يمكن أن تنظر إلى تافه مثلى ، لغامرت وطلبت يدها للزواج حتى لو طارت رقاب .. رقبتى بالطبع .. فالمطبخ هنا ممتلئ بالسكاكين ..

أهى إنسانة عادية من دم ولحم مثلنا بالله عليكم ؟ .. ما كل هذا الجمال والرقة والوداعة والاحترام والثقافة والحضور الطاغى والإنسانية الراقية .. اقرءوا تدوينتى عنها هنا ..

( 4 )  حب عمرى الكبير هو عمر

أكثر إنسان أحبه فى الوجود ، أكثر من نفسى ومن دنياى كلها ، وأنا أكثر من يحبه هو على الإطلاق .. اليوم كنا نغنى معا أغنية الحروف :

ميم ألف وميم ألف تبقى إيه ؟ .. يرد هو : بابا .. باء ألف وباء ألف تبقى إيه ؟ .. بابا .. وهكذا الأغنية كلها بابا  .. سألته ماذا سيقول للمعلم عن

 " ميم ألف وميم ألف " فقال : بابا .. حتى لو ضربنى ..

( 5 )  لو لم أكن مصريا

لوددت أن أكون مصريا أيضا .. مصر الحقيقية يا رفاق يغطيها التراب لكنه سيزول كاشفاعن وجهها البهى الصبوح ذات يوم ..

"على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء
أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء
باحبها وهي مالكه الأرض شرق وغرب
وباحبها وهي مرمية جريحة حرب
باحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء
واكرهها وألعن أبوها بعشق زي الداء
واسيبها واطفش في درب وتبقى هي ف درب
وتلتفت تلاقيني جنبها في الكرب
والنبض ينفض عروقي بألف نغمة وضرب
على اسم مصر"

( 6 ) سؤال إجبارى

زوجتى تجلس بجوارى منذ البداية وأنا أحل الواجب وأمرتنى أن أتكلم عنها وعن حبى لها .. نظرت لها كمن ينظر إلى هارب من مستشفى العباسية للأمراض النفسية والعصبية .. ألا يزال هناك رجل يحب زوجته ؟!! .. هذا إذن رجل أسطورى حتما أو من الخيال العلمى ..

آاااااااااااى .. أقصد أن أقول إن حبى لها لا تكفيه مئات المدونات وخير الحب ما قاله الصمت ولا أريد إطالة الحديث عنها حتى لا يحسدنا أحد من الشريرين الذين سيقرءون هذا الكلام .

------------------------------------

انتهى الواجب وحان دورى لألقيه على عاتق ستة آخرين ، ولا أعرف لماذا ستة بالذات وهم :

1محمد الدسوقى

2 – ولاء الشملول

3 – الملاح حسام

4 – إيما

5 – محمد محروس

6 – عندليبيات 

حبيبى سلامتك

حبيبى سلامتك

أمس كان باسل فى المستشفى إثر تناوله زجاجة من الكلور الطازج والحمد لله رب العالمين فقد نجاه الله سبحانه وتعالى ، تخيلنا هذا الصباح وقد جاء وهو لم يعد معنا .. يااااااااااااااه .. إنهم زينة الحياة الدنيا بحق ، فاللهم احفظ فلذات أكبادنا ولا تجعل مصيبتنا فيهم ولا فى ديننا .. بمناسبة سلامته أهدى له ولجميع الأطفال الأعزاء قراء المدونة أغنية ذهب الليل طلع الفجر للرائع محمد فوزى ..

السبت، 26 يوليو، 2008

( ست الحزن ) ( ذكريات مسلسلة ) ( الجزء 5 - اللقاء الثانى )



( ست الحزن ) ( ذكريات مسلسلة ) ( الجزء 5 – اللقاء الثانى )

يا للى عرفت الحب يوم وانطوى
حسك تقول مشتاق لنبع الهوى
حسك تقول مشتاق لنبع الغرام
ده الحب مين داق قطرة منه ارتوى عجبى .
كنت أعرف دوما أن اللقاء الثانى بيننا حادث لا محالة وحلمت به فعلا عدة مرات .. المذهل أننى لا زلت أحلم حتى الآن باللقاء الثالث بينى وبينها ، فهل يمكن أن تعود هى من الموت أم أنه سيكون هناك فى عالمها الموحش ؟ ..
كنت قد خطبت دخل الربيع فى تلك الفترة وبدأت أعد أثاث البيت وخلافه ، وكانت أخبارها لدىّ أنها تركت زوجها دون طلاق واستقرت مع خالها فى إيطاليا وعملت هناك وأرسلت إليه تطلب الطلاق .. كنا يوم الأحد موعد اللقاء الأدبى الأسبوعى بقصر ثقافة المنصورة ، دخل محمود صالح متأخرا ولم يجلس وإنما مال على أذنى قائلا ببساطة مرعبة : كريمة معايا تحت ..
اعتقد أنه فاجأنى لكنها كانت مفاجأة متوقعة بالنسبة لى ، نزلت معه مسرعا .. لقيتها مبتسمة أسفل الدرج .. لم أكن منتبها لحظتها كيف رددت تحيتها وابتسامتها لكنها قالت فيما بعد أننى ابتسمت ابتسامة واسعة ملأت وجهى وصافحتها بحرارة وأنا أشد على يدها .. قالت فيما بعد إنها عرفت من طريقة سلامى أننى غفرت لها كل شيء ، بل وسعيد بلقائها أيضا .. كانت قد تغيرت كثيرا فى الشكل ، بدت كسائحة أجنبية بذلك البنطلون الواسع والبلوزة السمراء والكاب الصغير الذى تظهر منه مقدمة شعرها المصبوغ باللون الأصفر وتنساب منه عدة خصلات على جبينها وعينيها .. باختصار كانت إيطالية حقا .. مثلها بالطبع مثل بنات كثيرات فى المنصورة لكن مظهرها كان غريبا على كريمة التى عرفناها دوما بالحجاب المعهود .. جلسنا نحن الثلاثة أنا وهى ومحمود فى حديقة وكافتيريا " صباح الخير يا مصر " بجوار قصر الثقافة .. قال محمود إنها فاجأته بالزيارة أمس فى المنزل ولأن المصادفات تتواجد دوما حيث توجد هى فقد ضلت طريقها إلى منزل محمود فنادت على شابين يتقدمانها فى الطريق لتسألهما ولما التفت الشابان وجدتهما رفيق وهلال وكانا ذاهبين إليه .. ذهبوا إلى محمود وظلت معهم معظم اليوم وطلبت من محمود رقم تليفونى فرفض قبل أن يستأذننى وقالت هى لى فيما بعد إنه حتما شعر بلهفتها وهى تسأل عنى فقال لها :
إيهاب خطب وهو وخطيبته بيحبوا بعض ...
سألتها عن أخبارها فقالت إنها ظلت مع زوجها الأستاذ أحمد فترة قصيرة جدا ربما أسبوعين وقالت له إنها غير مستقرة نفسيا وتريد السفر بعيدا إلى خالها لترتاح وتعود وسافرت بالفعل وهى تنوى الانفصال عنه وهناك عرفت أنها تحمل جنينا منه وبعد شهور وضعت طفلتها منه هناك وعمرها الآن عام ونصف تقريبا واسمها بانسيه أو بوسى كما تناديها هى .. وعملت هناك فى أكثر من عمل كالتدريس وتعلمت اللغة الإيطالية ، ثم تركت ابنتها فى رعاية مربية أطفال فى شقة خالها التى تركها لها فى ميلانو وجاءت لعمل إجراءات الطلاق بعد أن اتفقت معه على كل شيء تليفونيا ، ثم لتذهب إلى بلدتها وتحاول إصلاح علاقتها بعائلتها ، و نزلت فى المنصورة فى فندق مارشال الجزيرة منذ يومين ..
علقت أنا على كلامها مازحا بأنها لا تزال كريمة العظيمة التى نعرفها إذن .. سألتنى عن أخبارى فلخصتها متحدثا عن عملى فى المطرية وارتباطى بعد مشاكل عاصفة بدخل الربيع .. كانت جلستنا ودية جدا مليئة بالحنين والدفء الإنسانى وكانت كريمة ترتعش من البرد فى هذا الجو الحار، كنا فى يونيو 2000 ، لكنها قالت إنها تشعر بالدفء من الداخل .. تمنينا جميعا ليلتها لو يتحقق حلمنا بأن يتجمع شمل المجموعة ليوم واحد ثم نعود ونفترق .. أخذت تبحث فى حقيبة يدها العجيبة التى تشبه صندوق ماسحى الأحذية عن شيء ما قالت إنها أحضرته لى ولم تجده فقالت إنها ستحضره فيما بعد ..
سألتنا إن كنا مرتبطين بأى مواعيد فقلنا لا ، خرجنا نحن الثلاثة لنتعشى معا وتمشينا على النيل من قصر الثقافة إلى طلخا لنذهب إلى كافيتيريا العروسة لتناول الكشرى .. سألتنى عن إمكانية أن تراسلنى من الخارج فقلت إننى شخصيا ليس لدىّ مانع خاصة وأنا من هواة المراسلة ، لكن المشكلة أن هناك أطرافا أخرى من حقها الاعتراض وهى دخل الربيع والتى كانت تعرف كل تفاصيل علاقتى بست الحزن وقلت إن هذا لن يرضيها وبالتالى لن أفعله ، تأسفت بحزن قائلة :
ce la vie .. هكذا الحياة ..
فى المطعم طلبت منى رقم تليفونى فكتبته لها فى ورقة صغيرة ، لكنها بعد دقائق أعادت الورقة لى قائلة إنها لن يمكنها الاتصال بى ما دامت لن تراسلنى ما دام الموضوع محرجا ، قلت إن التليفون أمره مختلف وبسيط وسوف أخبر دخل الربيع عن لقائنا بالطبع ، لكنها أعادت الورقة .. كنا منتصف الليل دفعت هى الحساب كما طلبت وأخذت تاكسيا إلى الفندق .. كانت ليلة هادئة وجميلة وكنت سعيدا لأننى تعاملت معها ببساطة دون عتاب أو أسئلة ، لكن الليلة كادت أن تفسد حين أكملت الحديث مع محمود ونحن نتمشى بعدها .. تذكرنا الماضى وتصرفاتها الغريبة وإساءاتها لى واختيارها العجيب .. كان محمود يتحدث مدافعا عنها وقال إن المسألة تتلخص فى أنها تصورت أنها تستطيع تقديم تضحية ما واكتشفت بالتجربة أنها لا تستطيع وإنها كانت تحبنى حقا ولكنها أخطأت الاختيار بسبب اضطرابها ووقوعها تحت تأثير قدسية التضحية المزعومة .. قلت إن اقتناعها الشديد باختيارها عندئذ كان يؤهلها لاستمرارها فى التضحية مدة أكثر من أسبوعين ، فمن يتصور نفسه قادرا على تضحية كهذه لا يتخلى عنها بهذه البساطة .. أخذنا نتجادل كثيرا هو يدافع عنها وأنا أهاجمها أو على الأقل لم أكن مقتنعا ، لابد أن أعترف أننى شعرت بينى وبين نفسى ليلتها أن هجومى عليها هو حيلة نفسية لا إرادية منى لكى يدافع هو عنها أكثر وبالتالى أصدقها وأرتاح ربما .. أو أننى كنت أهاجمها لأؤكد لنفسى أنها أخطأت خطأ فادحا وتخلت عنى وبالتالى فهى لا تستحق الندم عليها من جانبى .. قلت لمحمود المهم أننا تعاملنا ببساطة وود مما يدل على أن القلوب صافية وأننى لا أجد داعيا لتكرار لقائى بها طوال فترة تواجدها هنا ، فابتسم .. عدت إلى المنزل فى الواحدة صباحا وسجلت ذلك اليوم فى دفترى باختصار ..
فى صباح اليوم التالى وجدتها تتصل بى من الفندق ، قالت إن محمود اتصل بها هناك للاطمئنان عليها فطلبت منه رقمى مرة أخرى .. قالت إنها تريد الحديث معى واتفقنا أن أذهب لها فى الرابعة عصرا بالفندق وأرادت أن تعطينى رقم تليفون الفندق فقلت لها إننى حفظته تلقائيا ليلة أمس حين أعطته لمحمود أمامى ، لا زلت أذكره حتى الآن ، وهو 213000 حجرة 708 .. اتفقنا ببساطة على اللقاء فتذكرت ابتسامة محمود حين قلت له إننى لن أقابلها مرة أخرى ..قبل الرابعة وأنا أرتدى ملابسى وجدت ذقنى تحتاج الحلاقة ووجدتنى أهم بحلاقتها ثم أتراجع خوفا من نفسى ، خوفا من شبهة التجمل أمامها وتعمدت تجاهل زجاجة البارفان فى ذلك اليوم .. عرفت عندئذ أننى بدأت أخاف ..
أخذت لها صورا من قصتىّ ( التوت المحروق ) و ( العزف على أوتار مقطوعة ) وكنا قد تحدثنا عنهما ليلة أمس ، وطلبتها من استقبال الفندق وجلسنا فى الكافيتيريا فى الدور الثانى ..
ليتنى سجلت أحاديثنا معا يوما بيوم فمهما حاولت التذكر الآن فمن المؤكد أننى لن أسترجع كل شيء أو على الأقل فإن الأيام ستتداخل فى بعضها .. بدأ الحديث عن ثقة كل منا خلال السنوات الماضية فى أننا سنلتقى وسيكون بيننا حديث طويل ، وأقسمت هى أنها حلمت بأنها ستجلس معى فى نفس الفندق ونفس الطاولة التى نجلس عليها لنتحدث .. قالت إنها ستطلب منى طلبا وأكدت لها أننى لن أتأخر عنها ، فقالت إنها تود أن أقوم بتوصيلها إلى المطار عند سفرها ..
اندهشت جدا وسألتها لماذا أنا بالذات فقالت لأننى أقرب الجميع إليها .. اندهشت أكثر وقلت إننا لم نكن أصدقاء بالمعنى المفهوم وإننى أعتقد أن محمود أو د. عمر أقرب إليها كأصدقاء ، أما أنا وهى فقد كان بيننا علاقة عاطفية المفترض أنها هى التى أنهتها بإرادتها فكيف أكون أقرب الجميع إليها .. حدثتنى عن ارتباطها بزوجها واضطرابها قبل الزواج واقتناعها وقتها بأنها تستطيع تقديم تلك التضحية بنفسها وبى من أجل إسعاد شخص يحتاجها بشدة وأنها كانت غائبة عن الوعى تماما ولكن ما إن تزوجته حتى عرفت استحالة أن تكمل المشوار ، ليس لأنه عبء عليها ولكنها اكتشفت أنه أمر لا يحتمل أن تتزوج شخصا ومشاعرها مع آخر .. معى ..
قلت إننى تصورت أنها ستتحمل عاما على الأقل وفقا لإصرارها وقتها ، فقالت إن يوما واحدا من الزواج كان كافيا لتعرف الحقيقة وتعود إلى وعيها وأخذت تلقى بعض اللوم علىّ لأننى لم أقف بجوارها كما ينبغى وأننى لو كنت أكثر صبرا لنجحت فى منعها ، ذكرتها بتراجعها المستمر عن اتفاقاتها معى واقتراحى عليها عدة طرق لحل الموضوع الذى هو واضح من الأساس لأى طفل صغير .. قالت إن المشكلة كانت واضحة بالنسبة للإنسان العادى ولكنها كانت مغيبة ومضطربة نفسيا ولذلك كان يمكننى الاستمرار فى تحملها .. قلت إن المشكلة الحقيقية أننى شككت فى حبها لى .. أخذت تحدثنى عن حبها الشديد لى ومتى بدأ واستمراره حتى هذه اللحظة وأننى كنت دوما معها فى غربتها وكتبت لى خطابات عديدة وفى كل مرة كانت تتراجع عن إرسالها وكتبت قصة قصيرة مستوحاة من علاقتنا وكتبت عن علاقتنا بدفتر مذكراتها الذى تسميه ( مذكرات امرأة مجهولة ) ، تحدثت عن شوقها الدائم لى طوال المدة السابقة والغريب أنها كانت تتحدث بمنتهى الصراحة وتؤكد فى الوقت نفسة أنها تعرف جيدا أننى لن أتراجع عن خطبتى ولا تحاول أن تقنعنى أن أعود إليها ولكنها تريد منى فقط أن أظل بجوارها هذه الأيام وأن أكون آخر من يودعها فى المطار ..
العجيب أن الحديث كان دراميا جدا ولكنه كان سلسا وبسيطا كأننا نتحدث عن تجربة اثنين آخرين وكان الحديث لا يخلو من المزاح والضحك .. أخذت تلح علىّ لتوصيلها وهى تسافر واعتذرت لأن ذلك لن يرضى دخل الربيع .. كان إلحاحها غريبا جدا علىّ لأننى أعرف أنها لديها كبرياء يصل أحيانا لدرجة الحماقة ، وفيما بعد استمرت تعاملنى بنفس الطريقة .. طريقة أنثى تحب بكيانها كله بلا كبرياء وقالت إنها تعرف أننى مندهش ولكنها سعيدة هكذا لأنها تعيش مشاعرها الحقيقية معى التى حرمت نفسها منها بيدها منذ سنوات وظلت تلك المشاعر حبيسة بداخلها .. كانت تنظر لى بشغف حقيقى وتتشرب ملامحى وأنظر أنا إليها بود حميم وقلت لها هذا فقالت إنها تعرف وسعيدة هكذا .. كنت أشعر بالذنب مرتين .. مرة لأننى أعتقد أن حديثنا بهذه الصراحة ليس من حقنا لارتباطى بإنسانة أخرى لا يرضيها هذا وكان ما يخفف شعورى هذا بالذنب أننى قلت لنفسى أننى لم أعد أحبها ولكنه مجرد حنين وسوف أحكى لخطيبتى كل شيء .. وشعورى الآخر بالذنب كان تجاهها هى لأننى أسمح لها بالتصرف معى هكذا بما يسئ إلى كبريائها رغم أن هذا يسعدها ، فلو أننى فى مكانها لما تصرفت هكذا أبدا .. سألت نفسى عندئذ : ما دمت لا أحبها فما سر هذه السعادة والارتياح اللذين أشعر بهما .. كنت أكبر بالطبع من الشعور بإرضاء غرورى كرجل وهى تتصرف معى هكذا ، على العكس تمنيت لو رأيتها قوية وسعيدة أيضا .. حدثتنى نفسى يومها محاولا التفسير أنها جزء عزيز وغال علىّ وكانت مشاعرى لها متوهجة ذات يوم ورغم انتهاء هذه المشاعر إلا أننى أتصور وجود رباط قوى آخر غير الحب يربط بيننا ، رباط من الإعزاز الخالص وشعورى بالواجب نحوها .. أما فرحتى بالجلوس معها فكنت أعزيها إلى الحنين وكونها حرمتنا من الكثير من اللحظات الجميلة فيما مضى .. كانت هذه أسبابى وأنا أتحاور مع نفسى .. وسألت نفسى هل لو كنت قد اعترفت لنفسى أننى لا زلت أحبها ، أهى خيانة لو تخليت عن خطيبتى وعدت لها هى ؟ .. وكانت الإجابة : لا ليست خيانة ، وإنما الخيانة أن أرتبط بخطيبتى بعد أن اكتشفت أننى لا أزال أحب ست الحزن .. وعلى هذا الأساس فأنا وقتها لم أخف من الاعتراف بحبها هربا من الشعور بالخيانة ولو أننى شعرت بحبى لها لتركت خطيبتى بشجاعة .. هذا كله حوارى مع نفسى الذى لم ينقطع حتى أثناء جلوسى معها .. هل هى الحقيقة أم لا .. أنتم أدرى ربما ..
جلسنا معا فى الفندق حوالى أربع أو خمس مرات ، فى المرة الثانية كان لديها موعد لإتمام إجراءات الطلاق ولما حان الموعد قلت لها أن تطلب من محمود صحبتها لأن الموقف سيكون صعبا فقالت إنها لم تفكر فى الموضوع وطلبت منى صحبتها ، لكننى اعتذرت آسفا ، لم يكن بإمكانى تحمل الموقف بالفعل بكل خلفياته .. ذهبت بمفردها وقالت فيما بعد إن الموقف كان صعبا فعلا وخاصة إنها كانت بمفردها تماما بينما هو معه آخرون من طرفه .. كتبت له تنازلات عن جميع حقوقها المادية وطلقها ولكن كانت لا تزال هناك إجراءات أخرى للحصول على ورقة الطلاق ..
فى يوم آخر فى الفندق كنا نجلس فى نفس المكان ودار بيننا حديث طويل لا أعرف كيف بدأ .. أظن أننى سألتها لماذا قالت إننى أقرب الجميع إليها ، فالقرب لا يعنى فقط وجود مشاعر خاصة وإنما يتطلب أيضا وجود التفاهم ، وفى حالتنا فالظروف لم تسمح لنا بالاقتراب من بعضنا ليفهم كل منا الآخر جيدا .. قالت إنها لم تكن فى حاجة للاقتراب لتفهمنى ، فالاقتراب يساعد الأصدقاء على فهم بعضهم البعض ولكن فى حالتنا نحن كانت مشاعرها الخاصة نحوى تمنحها شفافية ما تجاهى تجعلها قادرة على فهمى واستيعابى بشكل تام دون اقتراب حقيقى منى ، طلبت منها أن تتحدث عن فهمها لى إذن .. أخذت تحلل شخصيتى كطبيب نفسى ، لم تكن فقط تذكر ملامح الشخصية ولكنها كانت تتحدث عن ملامح خاصة لا يلمسها غير أصدقاء العمر ، وقالت لى : هه صدقت ؟ .. سألتها وهى تملك هذه الشفافية هل كانت ترى أننا نصفان متكاملان نصلح للارتباط ببعضنا ، فأنا من خلال علاقتنا السابقة وشخصيتها المركبة وشخصيتى الواضحة كنت أشعر أحيانا أننا لم نكن نصفين متناسبين ، قالت إن السبب فى اعتقادى هذا أننى أحكم عليها فقط من خلال تصرفاتها فى تلك الفترة الحالكة وعندى حق فى اعتقادى هذا على هذا الأساس ، وأكملت أن شخصيتها الحقيقية الطبيعية بزوال فقدان الوعى الذى سقطت فيه كانت تُشعرها دوما بأننى نصفها الناقص وأننى أكثرأهل الأرض ملاءمة لها ، ضحكت وسألتها هل لهذا السبب تركتنى وضحيت بى وبحبك من أجل وهم ؟ .. حدثتها عن دخل الربيع وكيف ظللت ثابتا على موقفى رغم ضعف دخل الربيع نفسها لأننى كنت واثقا من حبى وحبها ، قالت إن الأمر مختلف لأننى لم أكن واقعا تحت تأثير الضغط النفسى الذى كانت واقعة تحته متمثلا فى تلك التضحية المزعومة .. جرنا الحديث إلى الحديث عن الحب الأول ونظرة كل منا إليه ، قلت إن ما يمنح الحب الأول حرارته وتوهجه أن المحب للمرة الأولى يحب الحب نفسه أكثر من الحبيب ذاته ويتمثل كل المعانى الجميلة التى يعشقها فى أول شخص يحبه .. قالت إن الحب الأول قد يكون صادقا أو لا لكن المهم إذا كان الحب صادقا – أيا ما كان ترتيبه – هل يمكن تكراره أم لا .. تابعت قائلة إن الإنسان يحب مرة واحدة بصدق فى حياته ، قد يتزوج ويرتبط بآخرين ولكن سيظل فى حياته حب واحد فقط .. قلت لها أحيانا لا يمكن حسم الأمر بهذا الشكل الصارم والعام ، وإن لكل علاقة تفاصيلها الخاصة .. لنفترض مثلا أن أحدهم أحب إنسانة ما حبا حقيقيا صادقا وأحبته أيضا ، وفجأة خانته تلك الإنسانة مثلا واكتشف أنها لم تحبه ، فهل سيظل حبها باقيا فى قلبه إلى الأبد .. أعتقد لا .. ستكون حماقة منه .. ولنفترض أن أحدهم أحب إنسانة من طرف واحد وعرف أنها لا تحبه وصارحته هى بحبها لآخر وظل هو يحبها حبا قويا من طرف واحد طوال عمره فهل هذا حب صادق ؟ .. أعتقد لا .. لكنه حب مرضى وبقاؤه للأبد لا يعنى كونه حبا صادقا ، فعلاقة الحب الصادقة فى نظرى تكون بين طرفين .. قلت لها إن الطريقة التى انتهت بها علاقتنا لم تؤكد حبها لى ولم تكن الظروف قد سمحت بتقارب حقيقى بيننا ، ثم باعدت الأيام والمسافات بيننا كثيرا فكان طبيعيا أن يتلاشى حبها من قلبى تدريجيا حتى قبل أن أعرف دخل الربيع .. سألتنى لماذا أهتم بتبرير نسيانى لها ؟ .. قالت : هو أنا قلت لك حبنى .. عادى .. إنت مش بتحبنى لكن أنا حبى ليك كان وهيفضل حقيقى على طول فى قلبى ..
أكدت أنها لن ترتبط بأحد ثانية مطلقا وستعيش فقط من أجل ابنتها بوسى .. سألتنى عن مستقبل علاقتنا وإمكانية الاتصال والمراسلة واعترفت لى أننا لا يمكن أن نصبح أصدقاء ما دامت هى تحبنى وأنها كانت تعرف أننى سأرفض موضوع المراسلة غالبا ولكنها أرادت أن تعرف مدى استعدادى ..
كنا نتحدث بمنتهى الصراحة ونحلل الأمور تحليلا دقيقا حتى قلت لها إن كثرة تحليل هذه الأمور يفسدها ولا يجعلنا نفهمها أكثر . فهناك أمور لا يجدى معها التحليل العلمى الصارم .. ووافقتنى ..
تمنينا معا لو كان معنا كاسيت لتسجيل أحاديثنا تلك وقالت إنها اكتشفت أننى محاور بارع وأعرف كيف أستدرجها للكلام كاليهود تماما .. خلال أحاديثنا الطويلة كان هناك شيء مذهل يحدث كثيرا ..
كنا نصمت كثيرا ونشرد فى الماضى وتسألنى فيم أفكر فأرفض الإجابة بقصد المزاح ، فتراهننى أنها تعرف ما أفكر فيه وتذكره بالفعل صحيحا ، وأحيانا يمر نفس الخاطر برأسينا فى نفس اللحظة ونظل نتجادل أينا يقول أولا وحين يعترف أحدنا يضحك الآخر من قلبه ويقسم أنه نفس ما دار بخاطره وتكرر الأمر كثيرا جدا حتى أسميناه لعبة الأفكار .. والحقيقة أننى شعرت طوال هذه الأيام لمدة أسبوعين تقريبا أننا نفهم بعضنا البعض بدقة مذهلة ويمكن لأحدنا إكمال حديث الآخر بمنتهى البساطة .. كانت كثيرا ما تنظر إلى عينىّ مفسرة نظرة عابرة بهما بمنتهى الدقة وكان هذا يدفعنى للتحسر على حالنا معا وأقول لها إننى أريد أن أصفعها على وجهها على غبائها الشديد فيما مضى ، فتقول إن عندى كل الحق وإنها الآن تعرف أنها كانت أغبى أهل الأرض ...
حتى أصابع يدينا كانت متماثلة ووجدتها تعلق علي أصابعى بنفس الكلام الذى قاله كثيرون من أنها أصابع عازفى البيانو وكذلك هى .. لا أذكر هل فى نفس اليوم أم فى يوم آخر ، جلسنا فى حديقة جزيرة الورد على النيل وشردت هى فسألتها فيم تفكر ، فضحكت قائلة إننى لو عرفت ما تفكر فيه فستكون كارثة ، قلت على الفور أننى أعرف رغم أننى لم أفكر فى الشيء نفسه ، قالت إن معنى كلامى أننى عرفت حقا ما دمت لم أفكر فى نفس الشيء وقالت إنها لا تستطيع أن تقول ولكن إذا قلت أنا وكان صحيحا فستعترف بصحته ... طللنا نتجادل بطريقة تؤكد صدق تخمينى .. لقد عرفت وقتها وهى تنظر لى بذلك الشغف الآسر أنها تود أن تمسك أصابعى وأن آخذها فى أحضانى ، شيء من هذا القبيل ولم تجرؤ بالطبع على التصريح ..
ومرة أخرى كنا بالفندق ، اقترحت هى فكرة مجنونة وهى أن نتصرف معا على أساس ما مضى ، باعتبار أن ثلاث سنوات لم تمر ، أن أكذب على نفسى وأصدق أننى أحبها لبعض الوقت .. فقط طوال مدة تواجدها هنا .. أصابنى الذهول لوصولها لهذه الدرجة من الضعف ورفضت بالطبع وهممت بتبرير الرفض ولكنها رفضت أن تسمع تبريرات ما دمت رفضت ..أثناء جلوسنا فى جزيرة الورد تذكرت هى المرة التى رفضت أن أركب معهم المركب لأننى كنت أحبها ولم تصارحنى هى بحبها وقتها وكنت لا أسمح لنفسى بالتمادى فى التفكير فيها من طرف واحد ، وكررت لها تعجبى من تصرفاتها معى الآن بهذه الطريقة الصريحة التى لم أكن أتصور أن تصدر منها ولها من الكبرياء الكثير .. قالت إن الأمر مختلف لأنها تتصرف باعتبار أنها تحبنى وأننى كنت أحبها وليس باعتبار أنها تحبنى وأنا لم أحبها أبدا .. لم أجد فرقا فى الحقيقة بين الحالتين ..
عندما كنا نجلس فى الفندق كان الحديث يدور بسلاسة ولكن ما إن نبتعد عن جو الفندق ونجلس مثلا بجزيرة الورد كنت أشعر بالذنب وأتساءل لماذا أجلس معها وأحدثها عن شعورى فتنظر لى بذلك الشغف المميت : تعرف إنك وحشتنى قوى ؟ .. ما تخافش إنت خايف ليه ؟ ..
كنت أندهش من طول أحاديثنا وتدفقها ، وقلنا معا فى وقت واحد إن اتصال أحاديثنا شيء طبيعى لأنه حديث ثلاث سنوات كاملة ، فهناك مئات من الأحاديث كان ينبغى لها أن تتم وعشرات التفاصيل حرمتنا الأيام منها .. قالت إن لديها شعورا قويا غامضا بأن هناك مشوارا ما سنمشيه معا ذات يوم ولا تدرى ما هو ، بغض النظر عن ارتباطى بأخرى وقلت لها إن لدىّ نفس الشعور وإن هذا الشعور ليس وليد اللحظة وإنما هو قديم ومستمر رغم اختلاف مشاعرى الآن ..
كانت تتناول غداءها أمامى فى الفندق ذات يوم وسألتنى عن أحلامى فى الحياة فقلت إن حلمى الأساسى أن أتزوج من أحبها ونستطيع معا تكوين أسرة سعيدة ، وقالت إن حلمها أن تنجح فى عملها هناك وتستقر ماديا لتعود قوية إلى مصر وتستقر هنا دون الحاجة لأحد ، قلت لها إن هذا حلمها بشأن العمل ولكن ما هو حلمها الخاص فتهربت من الإجابة ، حتى كنا بجزيرة الورد مرة بعدها وسألتها نفس السؤال وكنا نستخدم أسلوب المساومة كثيرا فأطلب منها الإجابة عن سؤال ما ، مقابل إجابتى عن سؤال كنت أرفض الإجابة عنه من قبل ، قالت إن حلمها الأساسى أن يحدث لقاء بينى وبينها وأخذت تفسر كلمة لقاء تفسيرات عديدة ليست مقنعة وأصررت على معرفى الإجابة فهتفت صارخة : عاوزة أتجوزك يا أخى .. عاوزة أرتبط بيك .. ده انت يهودى ..
تجاوزت كلامها ولم أعلق عليه .. كانت قد أعطتنى ذلك التذكار الذى تحدثت عنه من قبل وهو جزء صغير من سلسلة ذهبية منقوش عليها آية الكرسى بخط دقيق للغاية ، وطلبت منى مذكراتى القديمة لتقرأ ما كتبته عنها فقمت بتصوير الجزء الخاص بها وأعطيته لها بشرط أن ترسل لى الرسائل القديمة التى كتبتها لى ولم ترسلها ..
سألت نفسى بالطبع لماذا أريد تلك الرسائل ولم أجد إجابة فهززت رأسى وفقط ..
كانت هناك أشياء طريفة وعجيبة تحدث بلا سبب ، ففى اليوم الثالث لعودتها كنت أتناول الإفطار فى منزلى وفجأة بلا مقدمات سألتنى والدتى : هى أخبار كريمة إيه ؟ .. وكانت لم تسمع عنها منذ سنوات عديدة وكنت لم أخبر أحدا بعودتها حتى لا أتعرض لعملية استجواب لا داع لها ، معتزما فقط أن أحكى لدخل الربيع حين أقابلها .. ذهلت حين سمعت سؤال والدتى وسألتها ما الذى ذكرها بها فقالت إنها لا تعرف وإنما مجرد خاطر .. بعدها بأيام اتصلت بى دخل الربيع ذات مساء لتخبرنى أن لدىّ موعدا مع رجل سعودى الجنسية فى فندق مارشال لإجراء مقابلة للتعاقد فى السعودية وكانت لا تزال لا تعرف شيئا ، فلماذا نفس الفندق الذى تقيم هى فيه ؟ .. ذهبت لعمل تلك المقابلة الشخصية وتحدث الرجل السعودى معى عن الأدب والثقافة وطلب منى قصصى وبعض أعمالى المنشورةوأخذتها له مساء فلم أجده وقالت كريمة إنها تراه يوميا فى الفندق لما وصفته لها ، وتبادلا التحية عدة مرات ، فتركت لها القصص لتعطيها له إذا رأته مصادفة .. اندهشت حين قالت إنها تعرفه واندهشت أكثر فيما بعد لأن هذا الرجل سيكون له دور فى القصة فيما بعد كما سيجئ ..
كانت قد اتصلت بوالدتها لمحاولة إصلاح الأمر مع العائلة فرفضت والدتها الحديث معها بشكل قاطع وتعمدوا فيما بعد ألا يردوا على التليفون لو كانت المكالمة من خارج القرية ، وكانت هذه صدمة كبيرة على كريمة خاصة من والدتها التى حضرت زواجها ، خمنت أن بعض الأقارب هم الذين أفسدوا والدتها عليها لأنها علمت من خالها أنهم يتحدثون عنها قبيل عودتها بشكل سيء متواصل .. اقترحت عليها أن تطلب من د . عمر التدخل أو من أحد أقاربها أو أختها الكبرى فقال إنها ستفعل ولكن ليس الآن لأنها لا تتحمل ضغوطا إضافية ... كانت وحيدة تماما معظم الوقت خاصة وعلاقتها بمحمود صالح أخذت تفسد بشكل مباغت حتى انتهت تماما .. ففى اليوم الأول كان محمود يدافع عنها بحرارة ولكن فى الأيام التالية حين لم تذهب إليه واكتفت بالحديث المستمر معى وعرف هو منى أننا نلتقى ونتحدث وأنها ذكرت لى تفاصيل كثيرة لم يعرفها ، انقلب عليها تماما وقال إن من حقه أن يعرف كل شيء لأنه كان طرفا فى الموضوع ولأن صورتها مهتزة أمامه فكان يجب عليها توضيح الأمور له ، ناقشته فيما يقوله فأولا هو لم يكن طرفا فى الموضوع ومن حقها تماما إخفاء أية تفاصيل عنه ، وإذا كانت صورتها مهتزة لديه فيمكنه أن يستوضحها ما يريد ، لكنه دافع عنها فى البداية ولم يكن بحاجة إلى توضيح بعكس كلامه الآن ، كما قالت هى لى أنها سألته هل تريد أن تعرف شيئا فقال لا ، المسألة إذن مجرد صبيانية منه ، خاصة وقد كان يمر بنوبته السنوية المعهودة من الاكتئاب ، وخلال هذه النوبة يشك فى علاقاته بالجميع حتى أنا ، فقد خاصمنى بلا سبب حقيقى لمدة شهور من قبل ..
بدأ يقول كلاما غريبا مثل أنها أحرجته بزيارتها له فى منزله وأنه شعر أن الجيران سيتكلمون عنه وعنها وخاصة بمنظرها الملفت للانتباه وشعرها المكشوف حاليا كما قال ، وكنت أعرف أن هذا حدث كثيرا من قبل ولم يكن يقول هذا الكلام الغريب والسخيف .. قلت له إن كلامه كلام فارغ تماما وأن اكتئابه وضيقه هو الذى ضخم له الأمور ، لكنه أصر أنها أهانته بتجاهلها ، فقلت إنه بافتراض أنها مخطئة فيجب عليه وعلى الجميع الترفق بها وعدم محاسبتها الآن على شيء لأنها تفتقد العالم كله وفى أشد الحاجة للعون ، وقلت له إننى حزين من أجله لأنه لا يستطيع تغليب طاقة النبل الإنسانى بداخله على مشاعره ومشاكله وطلبت منه ألا يشعرها على الأقل بضيقه منها .. كانت هى قد علقت على مقابلتها لرفيق بقولها إنه لم يعد يحمل روح الفنان الرقيق كما عهدته وكان كل اهتمامه أن يروى فضوله وليس الاهتمام بها وبالطبع طلبت منها التماس العذر للجميع لأنها شوهت بنفسها صورتها أمام الجميع فيما مضى ....
فى يوم آخر كنا نجلس بالفندق وأمامنا عصير البرتقال المعهود ، تحدثنا عن قصصى التوت المحروق والعزف على أوتار مقطوعة وقالت إن الثانية تعجبها أكثر وسألتنى ضاحكة لماذا وصفتها فى القصة بالخائنة فى قولى " وتنفى البنت الجالسة أمامك إلى آخر الفصل لمجرد أنها تمتلك عينين واسعتين تديران الشريط الطويل لخيانات من كانت حبيبتك وخيانات بعض من ادعوا أنهم أصدقاؤك ... " .. فقلت إن الخائنات كثيرات وليس بالضرورة هى .. وسألتها هل قرأت مذكراتى أم لا فقالت لا لأنها لا تريد أى ضغوط الآن وعرضت عليها أن نقرأها معا .. كنت على موعد ليلتها فى نادى الأدب بقصر الثقافة وأردت الاستئذان منها وألحت بالبقاء وقلت لها إنها لن ترانى غدا لسفرى إلى القرية فألحت أكثر ، فعرضت عليها المجئ معى .. يا إلهى .. الآن تستحلفنى بالبقاء للحظات وتتمنى لو تظل تنظر إلىّ طويلا بعد انتهاء كل شيء وكانت نظراتها هذه فيما مضى كفيلة بإسعادى العمر كله !! ..
قابلنا هناك كثيرا من الأصدقاء القدامى من بينهم وائل وبهية ومحمود صالح ، ليلتها قابلتها بهية بفتور شديد ونظرت لها نظرة غريبة شعرت أنا أنها نظرة كره .. بعد الندوة جلست معها فى جزيرة الورد مرة أخرى .. لم أكن طبيعيا تلك الليلة ، كان القلق والوجوم يسيطران علىّ وجلست وأنا تقريبا أعطيها ظهرى ، كنت أسأل نفسى باستمرار لماذا أعذب نفسى بها ومعها ولماذا أسمح لها بإيذاء نفسها بسعادتها المؤقتة معى وفى نفس الوقت أشعر بالذنب تجاه دخل الربيع لتكرارمقابلاتى لست الحزن ، بالطبع بررت الأمر لنفسى بثقتى أننى لا أحب كريمة ولكننى فقط أتصرف باعتبار ما كان وليس ما سيكون وباعتبار واجبى نحوها .. كان قلقى يتزايد بصورة مخيفة ولاحظت هى بالطبع وتناقشنا بصراحة فى كل هذا وطلبت منها أن تشرح لى لو كانت تفهم شيئا .. قالت إنها تفهم كل شيء ولكننى للأسف لن أفهم إلا بعد سفرها وبعد جدال طويل وبعد محاولاتى للرحيل وإلحاحها بالبقاء تكلمت .. قالت إن هناك احتمالين .. الأول أننى لم أحبها حبا صادقا من البداية ولهذا أشعر بالذنب تجاهها الآن وهى تتصرف معى هكذا .. قلت لها إن هذا الاحتمال أحمق لدرجة عدم الرد عليه .. قالت إن الاحتمال الثانى أننى لم أنساها أبدا ولكنها استقرت بقلبى فى مكان ما وتراكم عليها غبار السنوات والأحداث ، وجاءت دخل الربيع لتأخذ مشاعرى الحالية ولكن دون أن تزيح صورة ست الحزن بداخلى وعندما عادت حدث الاضطراب بين الصورتين .. الصورة القديمة لمن أحببتها بصدق والصورة الحديثة لخطيبتى التى ارتبطت بها رسميا وعاطفيا وبينى وبينها الكثير من الذكريات والأحداث فأصبحت تمثل لى تاريخا قويا ، ولأننى أبعد ما يكون عن الخيانة فأنا لا أريد الاعتراف أننى لا أزال أحب ست الحزن حتى لا أترك دخل الربيع .. رددت على كلامها بتأكيد أقوالى بأن مشاعرى واضحة بداخلى فقالت لا تقلق إذن كلها أيام وأسافر وستعرف الحقيقة عندئذ كاملة .. كانت الساعة تقترب من الواحدة صباحا وأنا أوصلها للفندق وعرضت علىّ فكرة مجنونة هى أن أدخل معها الفندق وأستأجر حجرة لمدة ليلة واحدة ونجلس بالكافيتيريا كالمعتاد لنثرثر حتى اليوم التالى .. الحقيقة استهوتنى الفكرة للحظة لكننى قلت : منين الفلوس هو أنا لاقى آكل .. فقالت إنها ستتحمل التكلفة ، بدافع الخوف رفضت ، بل قلت لها إن المفروض ألا نتقابل بعد الآن مطلقا ، فقالت : افعل لو تستطيع .. افترقنا على وعد من الطرفين بعدم اللقاء أبدا وألا يتصل أحدنا بالآخر ، اتفقنا بهدوء بلا غضب ..
عقلى تعب من التفكير المضنى وقلبى أنهكته الحيرة بين مشاعرى ، تُرى هل نفذنا اتفاقنا بعدم اللقاء ؟ .. وهل تفهمون شيئا حتى الآن ؟
لقد تعبت الآن من الكتابة .. إلى لقاء إذن قريب بإذن الله ، ربما فى الجزء الأخير والنهاية المرعبة .

( نهاية ما كان .. بدء يكون )

سيأتى صباح بلا عاشقين

سيأتى صباح تحنين فيه
إلى الشعر والبحر والياسمين
إلى قبلة لم تنلها الشفاه
إلى موعد دونما آخرين
أسافر وحدك .. تأتين وحدى
لكى نلتقى فى فضاء الجنون
على صخرة سرقت روحنا
وأعطت لنا شارة الفاتحين
على أول الحب فاتحة الغيب
آخر ما خلد الزائلون
ستبكى العيون التى استبدلت
بجنتى ما كان نارا .. يكون
سيأتى نهار سألقاك فيه
وأنساك فى زحمة العابرين
يسير بى الحزن حيث يشاء
ويذهب بى حيث لا تذهبين
أكون معى .. تكونين وحدك
وحدك .. وحدك فى كل حين
غدا تنظرين إلى كل شيء رآنا معا
بين كاف ونون
مراياك .. معطفك القرمزى
زجاجة عطرك .. كحل الجفون
يهاجمك الشوق من كل صوب
ففى أى زاوية تهربين
سيأتى مساء بلا كبرياء
تدقين بابى ولا تدخلين
أطلُّ عليك من الذكريات
فتبكين سمرة هذا الجبين
إذا فتّح الشوق أبوابه
رأى القلب أحبابه الغائبين
خطانا على النيل .. ضحكى المفاجئ
صمتى الرزين ..
شجار الأحبة .. ورد المحبة
أبيات شعرى التى تحفظين
حديث الأنامل .. أعراس بابل
أشواقنا فى بريد الحنين
صراخى بفيروز حين تغنى :
( باكتب اسمك يا حبيبى ع الحور العتيق
تكتب اسمى يا حبيبى ع رمل الطريق
واما بتشتى الدنا ع القصص المجرحة
يبقى اسمك يا حبيبى واسمى بينمحى )
أجل ..
سوف يمحى الذى تكتبين .

الثلاثاء، 22 يوليو، 2008

( ست الحزن ) ( ذكريات مسلسلة )( الجزء 4 - فاصل ونعود )


( ست الحزن ) ( الجزء 4 – فاصل ونعود )

دخل الربيع يضحك لقانى حزين

نده الربيع على اسمى لم قلت مين

حط الربيع أزهاره جنبى وراح

وايش تعمل الأزهار للميتين عجبى .

فكرت فى تجاهل هذه الفترة قبل عودة ست الحزن للظهور ، لكن الفترة طويلة لمدة أربع أو خمس سنوات وكانت حافلة بالأحداث ، صحيح أن هذه الأحداث ستخرج بنا عن الموضوع قليلا لكنها ستعطيكم فكرة ضرورية لتفهم مواقفى القادمة ...

قلت إننى بعد زواجها رغما عن أهلها ترسخ لدىّ شعور بأنها لم تحبنى حبا حقيقيا ولابد أننى تعمدت ترسيخ هذا الشعور بداخلى لأستطيع المضى فى حياتى .. كنت أتذكرها كثرا جدا بالطبع وأحكى وأتناقش مع البعض وكنت فى كل مرة أنهى الكلام بتأكيدى على النسيان وأنها أصبحت ماضيا مؤلما .. الغريب أننى كنت دوما أشعر أنها ماض جميل أيضا رغم كل الحزن و لا أعرف لماذا ..

تسلمت العمل فى المطرية فى فبراير 1997 والتى تبعد كثيرا جدا عن المنصورة ، فى البداية سافرت وزملائى لمدة أسبوع ثم أدركنا استحالة استمرار تحمل المشقة اليومية فقررنا جميعا السكن هناك ..

بتنا عدة ليال فى مسجد نادى المعلمين حتى تم إعداد غرفة لنا على سطح نادى المعلمين وأقمنا فيها ستة مدرسين من دفعتى .. لا .. مش سايبين الشقة كلها وقاعدين فى أوضة .. هو السكن حجرة واحدة ..

وأمامنا حجرة أخرى يقيم فيها أربع مدرسين قدامى .. أقمنا فيها عاما كاملا وفى النهاية أشفقت علينا الإدارة التعليمية جزاها الله خيرا ، فسحبت منا الحجرة لتحويلها قاعة فيديو لرواد النادى من الشباب الصّيع .. عفوا .. وأصبحنا فى الشارع .. المشكلة كانت أن أهل المطرية الكرام جزاهم الله خيرا أيضا يرفضون تأجير السكن لشباب أغراب عزاب مثلنا .. قدت ثورة أنا وأحد زملائى عند وكيل الوزارة والمحافظ وانتهت الثورة المباركة بقرار من المحافظ بمنحنا شقتين فى عمارة تابعة للإدارة التعليمية .. الشقتان كانتا مهجورتين من 10 سنوات وبعد مجهود جبار ونفقات لا بأس بها استطعنا إعادة الكهرباء وخلق دورة مياه من العدم ، بعد إقامتنا فيهما لأكثر من أسبوع بلا كهرباء ولا دورة مياة وكنا نستعمل الشموع ودورة مياه محطة الأتوبيس .. والله هذا حدث عام 1998 تقريبا وليس فى العشرينات من القرن الماضى .. بسبب الثورة الميمونة اكتسبت كثيرا من العداوات داخل الإدارة بالطبع ، بالإضافة لعدة مشاكل مع أولياء الأمور - صيادون وقهوجية وتجار غالبا مع احترامى لهم ولكن وسيلة الحوار مأساة - فتم التحقيق معى مثلا أكثر من 10 مرات من الإدارة ومكتب وكيل الوزارة ومكتب الوزير شخصيا ، كنت مدرسا ناجحا ولا أزال بحكم الجميع لكننى كنت ولا أزال أيضا عنيدا جدا .. وقد قضيت عامى الأخير هناك فى قرية العصافرة وقضيت هناك عاما دراسيا جميلا حقا ..

" بناتى النجيبات وزملائى الأعزاء فى العصافرة "


رغم كل مشاكل العمل كنا لا نكف عن الضحك وذكرياتى ( يا مطرية يا ) هنا بالمدونة خير دليل على ذلك .. كانت زوجتى واسمها الحركى دخل الربيع زميلتى ، قضيت عاما كاملا معها فى المدرسة دون أدنى انتباه منى .. مش قصدى حاجة يمكن من نظرى الضعيف والله .. وفى رحلة مدرسية تبادلنا كلمات قليلة وبعدها طلبت منى بعض شرائط الكاسيت وهكذا لا نعرف من جرّ قدم الآخر .. فى أول لقاء بيننا عند زميلة مشتركة قلت لها إننى لا أحبها .. إحم .. لم تخطئوا القراءة .. فقد كان مجرد إعجاب تمنيت أن يتحول حبا مع الارتباط الرسمى هكذا قلت لها من اللقاء الأول ..

كان رصيدى من المال صفرا ولى أخ أكبر لم يتزوج والعائلة لم تكن قادرة على مساعدتى تقريبا ، لذا فقد قوبلت بعاصفة من الرفض العائلى وبعد محاولات مضنية مع أبى وأمى وافقا على قراءة الفاتحة مع ضرورة توضيح الظروف لعائلة دخل الربيع .. أثناء عودتنا فى الطريق بعد قراءة الفاتحة قالت أمى جزاها الله خيرا بالمرة ، إن قلبها ليس مستريحا وأنها لا توافق على هذا الزواج وأمّن والدى على قولها بعد قراءة الفاتحة بساعات .. لماذا .. لا أعرف ولا هم يعرفون .. مجرد إحساس .. والحقيقة أننى أصبت بداء الحساسية الجلدية من موضوع الإحساس هذا .. العجيب أن الأمر تحول لإصرار غير مفهوم منهم وتساءلت لماذا لم يتحججوا بأى شيء قبل قراءة الفاتحة .. لا لا لأ .. يعنى نكدب ما هو الإحساس ده جه متأخر . .

ولما كانت مسألة الإحساس هذه متضخمة عندى من تجربة ست الحزن فقد رفضت بالطبع الاستجابة لإحساس غير مبرر وقلت هذا الكلام فقيل لى ما معناه أنهم لن يأتوا معى بعد الآن وسيعلنون رفضهم .. حكيت كل شيء لدخل الربيع وقلت إن الموضوع لا يمسها هى أو عائلتها مطلقا ولكن فى الغالب هو خوف من عدم مناسبة الظروف المادية ، تكرم والدها بمنحى فرصة لتسوية أوضاعى مع المدعى العام الاشتراكى العائلى وانتهت المهلة بالفشل ، سألت دخل الربيع هل أشعل فتيل الحرب وأنا مطمئن أننا معا مهما كانت التوابع فقالت نعم .. بدأت مشاجرات عاصفة مع العائلة وتدخل كثيرون أقارب وأصدقاء ومن بينهم د . عمر .. فشلت جميع المساعى الحميدة لفض الاشتباك ووضعت الحرب أوزارها بإعلانى الاستقلال وتركت المنزل نهائيا ..

إن هذه الفترة من أسوأ فترات حياتى على الإطلاق ومهما حكيت لن أصف لكم الضغط النفسى الهائل الذى كنت أتعرض له من جميع الجهات والمأساة أننى كنت أقاوم وأنا لا أعرف السبب الحقيقى للمشكلة تماما كما حدث مع ست الحزن ولعل هذا كان أحد دوافع إصرارى على الاستمرار .. أقمت أسبوعا عند محمود صالح فى منزله وكانت الدراسة على وشك البدء فسافرت إلى المطرية وأقمت هناك بمفردى أسبوعين قبل بداية العام الدراسى وكان قاسيا جدا علىّ أن أقيم بمفردى وبرغبتى فى الشقة التى لم نكن نحبها فأصبحت هى مأواى الوحيد .. أذكر أن محمود زارنى هناك فى المنفى مرة لتشجيعى ، وبعض الأقارب لمحاولة إقناعى بالعودة ..

بمرور الوقت وتعنت العائلة المستمر اضطر والدها لفسخ الاتفاق واعتبر الأمر منتهيا .. قالت هى إنها لا تزال معى .. كانت المشاكل قد صنعت بيننا جسرا قويا وجعلت كلا منا ملجأ للآخر وكنت قادرا على احتوائها بشكل مذهل كما قالت وأصبح لدينا تاريخا من الذكريات وشعرت عندئذ أن حبنا أصبح حقيقيا .. ويبدو أنها شعرت نفس شعورى أيضا فتفضلت بالتخلى عنى فى أسوأ مرحلة هى الأخرى ، جزى الله الجميع خيرا عنى .. قالت إنها لم تعد تستطيع التحمل ويئست .. كنت أعرف أنها أحبتنى بل وانبهرت بشخصيتى بلا مبالغة ولكننى تساءلت لماذا قالت إنها ستكمل للنهاية إذن مهما كانت العواقب ؟ .. كنت خاسرا الدنيا كلها وقتها وتساءلت عن كم الصراصير المستقرة حتما فى رؤوس بنات حواء .. فهل كُتب علىّ أن تقول كل واحدة إنها تحبنى ولكنها لا تستطيع تحمل المشاكل من أجل هذا الحب .. وتساءلت هل أخطأت أنا عندما تركت ست الحزن تفعل بنفسها ما فعلت ؟ وهل أكرر الخطأ وأترك دخل الربيع أيضا فريسة لليأس .. أخذتنى الشهامة والمثالية - من بختى ال ... الأبيض طبعا - وقلت لا .. وظللت أحاول بشتى الطرق إقناعها بالمواصلة .. أصبت فى هذه الفترة بارتفاع ضغط الدم وأنا دون الثلاثين من عمرى وكوّن الحزن جدارا سميكا على القلب المنهك .. أعترف بالفعل أننى فقدت الكثير جدا من رومانسيتى ومشاعرى المرهفة ، لا زلت قادرا على العناد والإصرار ولكن بقلب مجهد للغاية ..

المهم .. ضاقت ولما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج .. فبعد معارك هائلة مع العائلة ومناوشات مع دخل الربيع نفسها التى حاربت من أجلها ، هبطت الهداية الإلهية على قلوب والدى ووالدتى وبدأت الأمور فى طريقها للنقاش والحل .. هذه الفترة حوالى عام ونصف كامل من المشاكل المتواصلة وأخيرا استجابوا ووافقوا على الخطبة من جديد .. تمت الخطبة بدبلتين طبعا وبدأت شد الحزام لتكويم النفس وكنا نريد فقط مجرد الزواج فأعاننا الله وتزوجنا فى العصافرة بعدها بعام آخر ، ثم انتقلنا للمنصورة بعد الزواج بعام أيضا .. المشاكل العائلية تبخرت كأنها لم تكن وأصبحت دخل الربيع واحدة من العائلة بالنسبة للجميع ورزقنى الله بعمر وباسل وسافرت إلى الإمارات بعد رحلة كفاح تستحق مدونة كاملة للحكى عنها ، المهم توتة توتة فرغت الحدوتة بنهاية سعيدة مستقرة والحمد لله ، ولكن هناك فاصل هام جدا فى منتصف الحكاية بعد استقرار الخطبة تماما وتهيئة كل ظروف الزواج فعندئذ عادت ست الحزن .. لا تخافوا .. أنا لم أفسد الحكاية عليكم أبدا .. تتساءلون وأى جديد سيحدث إذن ؟ سيحدث الكثير جدا .. نعم ستكونون على علم بالنهاية من جانبى على الأقل ولكنكم ستفكرون كثيرا جدا وستتعجبون ألف مرة وستبكون بحرارة .. استعدوا إذن للحفل الختامى الرهيب .. افتحوا آذانكم وعيونكم .. أصحاب القلوب المرهفة يمتنعون .. والبنات يستعيرون عشرات من علب المناديل الإضافية لتجفيف السيول المنهمرة حزنا .. والجميع مطالبون بالفهم ومحاولة إفهامى ما لم أفهمه وما لن تفهموه .. هلموا يا رفاق لتذوقوا طعم الحزن الحقيقى بين يدى آسرتى الخالدة ست الحزن .

( البحر لا ينسى ولكنه لا يبوح )

لعلك لا تذكرين الفتى ..

ولا أين كان اللقاء وكيف .. ومنذ متى

لعلك لست بباخعة نفسك اليوم

شوقا إليه

ولست بمسندة رأسك الآن

ألْفا على كتفيه

ولست بسائلة عنه كل صديق

ولكنه البحر تعبره ألف جائحة كل حين

وما زال يحفظ أسراره فى قرار مكين

فلا تفزعى حين تلتقيان مصادفة فى طريق

تديرين وجهك

ثم تغوصين وسط الزحام

وللبحر مليون مليون عين

ولكنه لم يشأ مرة

أن يسائل أى سفين لأين ؟

فممن إذن تتخفين يا حلوة كالنعام

وواهمة كالنعام ؟

أيا حلوة كالنعام

وواهمة كالنعام

تظنين أنك أصبحت أخرى

لأنك صرت ذات لثام ؟

له الله ذاك الفتى

له الله من قابع فوق شط الجروح

تجد ليال عليه

وأخرى تروح

ولكنه صامتُُ .. لا يبوحْ .

الأحد، 20 يوليو، 2008

( ست الحزن ) ( الجزء 3 ) ( القديسة تتكلم )

( ست الحزن ) ( 3 - القديسة تتكلم )

عشقك ندى فاق المدى

يا فجر عمرى اللى ابتدى

يا ضى لعيونى اهتدى

عشقك ندى فاق المدى

يا نجمة طالة م الفضا

يا غنوة القلب إن شدا

رحال انا من كام سنة

ف بحور عنيكى المزروعين بالسوسنة

يا ضحكة العمر الحزين يا حنينة

زارع سنينك ألف غنوة وألف صوت

يا زارعة ليلى وسط صمت الكون غنا

غنّى بشوقك ليا

غناويكى غناويا

غناويكى خطاويا

والغنوة خطوة وطريق

حضنك دفا قلبك وفا

وانا قلبى شارب من حنانك ما اكتفى

يرتاح فى ضلك لو نهاره ف يوم جفا

وهموم طريقى تتمحى من خطوتى

وطريق همومى بين دروبك اختفى

خطّى الأحلام بيا

خطاويكى خطاويا

خطاويكى غناويا

والغنوة خطوة وصديق

عشقك ندى فاق المدى .... استمع للأغنية هنا
كان رفيق وبهية على علاقة قوية بشخص يسمى الأستاذ ( أحمد ) وكان محققا قانونيا بالكلية وهو إنسان مثقف جدا ويكتب القصة القصيرة ويمارس العمل الصحفى ويدرب فريق نوابغ الكلية الذى كان رفيق وبهية من بين أعضائه ..
أصيب فى حادث مؤلم أدى إلى أن أصبح قعيدا تماما وأصبح يذهب للكلية نادرا على كرسى متحرك ويمارس نشاطه من منزله ، كانت له دائرة علاقات واسعة جدا وكنت قد زرته مع محمود صالح وبهية و ست الحزن مرة واحدة ووجدته إنسانا قويا وشعرت أن إعاقته لم تجعله ضعيفا ، على العكس أحسست أنه إنسان مسيطر يحاول إدارة محدثيه كما يشاء ، كان هذا شعورى تجاهه وقلته لمحمود ولم أشعر بالراحة تجاهه ولذا لم أكرر زيارتى له .. المهم .. قالت كريمة إن الأستاذ أحمد صارحها بحبه وغرامه بها ولما كانت لم تحبنى بعد فقد صمتت ولم تود إحراجه بل وتحطيمه كما تقول ، فتمادى هو فى مشاعره واعتبر صمتها خجلا أو كبرياء وأخذ يحدثها بأنها الإنسانة التى ظل ينتظرها طوال عمره وأن حياته ومستقبله متعلقان بها ، لكنها لم تستطع منع نفسها من حبى ولما تأكدت صارحتنى رغم أنها اتفقت معه على الزواج بناء على فهمه أنها تحبه ، وطلبت منى تفهم الأمر وأن أتركها تضحى بى وبنفسها وبحبنا من أجل الأستاذ أحمد المسكين ..
كانت معلوماتى أن الأستاذ أحمد قد خطب فتاة أخرى لكن ست الحزن قالت إنه تركها من أجلها هى .. وقالت إنها اعتادت فى الآونة الأخيرة أن ترى رؤيا متكررة وهى أنها تقرأ سورة ( يوسف ) وتجد أوراق شجر خضراء مكان مواضع الفصل بين الآيات وتفاصيل أخرى حكتها لى ، وقد فسروا لها ذلك بأنها ستضحى فى حياتها تضحية عظيمة تنال عليها جزاء يوسف عليه السلام فى نهاية قصته ..
كنت أعتقد أن هذا الخبل لا يوجد إلا على شاشات السينما الرديئة ، ولكن أن يحدث فى الواقع فهذا غريب وأن يحدث معك أنت فهوالمذهل ..
فكرت فيما قالته بسرعة من عدة جوانب .. أولا استبعدت أنها لا تحبنى وإنما فقط تستمتع بولعى بها واهتمامى لتعويض نقص ما ، استبعدت هذا لأن مشاعر الأستاذ أحمد كانت كافية لذلك خاصة وهو شخصية تبهر الكثيرين وهى من بينهم ..
وكنت أصدق احترامها لى بشكل مؤكد يمنعها من التسلية ولم تكن هى من هذا النوع أساسا ، لم يعد أمامى إذن إلا أن أصدق ما تقوله ، على الأقل أصدق أنها تتصور ما قالته بغض النظر عن صحته .. وكنت أثق فى إحساسها المرهف وعندى معلومات قليلة عن والدتها ووالدها والجو الذى نشأت فيه والذى ربما يدفعها للسقوط فى هوة التضحية المزعومة من أجل غرض نبيل كما تعتقد ..
قلت لها أولا إنها ما دامت قد قررت الارتباط به فما كان يجب أن تصارحنى بحبها لى ، وما دامت قد قالت لى فهذا يعنى أنها غير مستريحة لقرارها هذا وتريدنى أن أساعدها بطريقة لا إرادية منها على التعامل مع الموقف ، وقلت إن المعتاد أن يضحى المحب من أجل حبه وحبيبه ، بينما تود هى التضحية بى وبحبها لى من أجل وهم كبير وتضحية فاشلة لا معنى لها لأن زمن القديسين والأنبياء قد مضى ، ثم إن ما ستفعله ليس فى مصلحة الأستاذ أحمد مطلقا لأنها ما دامت تحب غيره فلن تتحمله أكثر من عدة شهور بغض النظر عن إعاقته وعندئذ ستتركه وتكون قد ظلمته عندئذ ولم تساعده كما تتصور ، وطلبت منها أن تأخذ رأى أى طفل صغير وسيقول لها إنها واهمة ، فقالت إنها حكت للدكتور عمر المشكلة ولكن لم تخبره بأنها تحبنى وقالت له فقط إنها لا تحبه وتود الموافقة لأجله فقط .. قالت إن دكتور عمر عنفها أشد التعنيف وحذرها من ذلك ، وإنها قالت لأختها أحلام - زميلتنا فى المجموعة -إنها تبادله الحب حتى لا تخبر أحلام أهلها بالحقيقة عندما يتقدم لطلبها منهم ..
لم أعرف ماذا أقول أكثر من هذا وكان الموضوع بيدها هى
وشعرت أنه من الخطأ أساسا أن أقنعها بالارتباط بى وأن كونها قادرة على التضحية بى يدل على أنها لم تحبنى حبا صادقا ربما ، فقلت لها افعلى ما تشائين وإذا استطعت تحمل ذلك فسأتحمله أنا أيضا ..
فى المساء وعقلى مشتعل بالتفكير المضنى وسوس لى شيطان حبى العتيد بأنها ما دامت تؤكد حبها لى فلا يجب أن أتركها تدمر حياتها وأن الإنسان يحب حبا حقيقيا مرة واحدة فى حياته ، فلا يجب أن أتركها تفعل ما تريد لأنها ليست فى وعيها الكامل ، على الأقل يجب أن تنهى مشكتها معه وتنسحب من حياته بهدوء وبعدها فلتفعل ما تشاء ولا ترتبط بى إذا كانت لا تحبنى بحق ..
فى الصباح قلت لها هذا الكلام وأكدتْ هى مرة أخرى أن حبها لى لا يقبل الشك ، فعرضت عليها أن توضح له حقيقة مشاعرها شيئا فشيئا وأن تنسحب من حياته ببطء وقالت إنها لن تسمح لنفسها بالإساءة له مطلقا وإنه عندها مثل دكتور عمر بالنسبة لى فهل يمكننى أن أسيء للدكتور عمر ؟ ..
ولما قالت إنه يعالج علاجا طبيا وطبيعيا ويعتمد علاجه على حالته النفسية ، اقترحت عليها أن نعرف اسم طبيبه ونستشيره
وأن تحكى للدكتور عمر وأختها أحلام الحقيقة لنفكر معا فى المشكلة إن كانت هناك مشكلة حقيقية .. كنت لا أزال أحكى فقط لصديقى تامر من خارج المجموعة وكان ينصحنى أن أنفض يدى من الأمر لأنها تبدو غير متزنة وكان عندما يرانى يضحك قائلا : " إنت لسة عايش ؟ " مستغربا من تحملى المستمر لها ..
كانت الامتحانات تقترب وكنا على موعد جميعا ذات خميس لنذهب مع دكتور عمر لزيارة المفكر وأستاذ التاريخ الإسلامى الشهير د.محمود إسماعيل وهو أستاذ دكتور عمر ، فى قريته ، كان هذا بالتحديد فى 25 / 4 / 1996 وانقسمنا مجموعات للذهاب وكانت معى هى وأحلام ووصلنا مبكرين على كوبرى القرية وجلسنا نأكل ونتناول مشروبا ، إننى أذكر هذه اللحظات لأنها من اللحظات السعيدة التى قضيناها معا بلا منغصات ، أود هنا الإشارة إلى أنها فى كثير من الأحيان كانت تصرفاتها معى ونظراتها تدل على حبها لى ثم لا تلبث أن تفسد الأمر بقراراتها الهوجاء والغريب أنها كانت دوما متزنة التفكير كما يعرفها الجميع ما عدا فى هذا الموضوع وهذا ما جعلنى أستمر .. عدنا جميعا إلى المنصورة وتناولنا العشاء مع دكتور عمر وكان يفترض أن أتحدث معها هذه الليلة لانقطاع الدراسة بسبب إجازة عيد الأضحى وبعدها تنقطع الدراسة حتى الامتحانات ..
جلسنا جميعا ليلتها بحديقة كنت أسميها جزيرة الصمت وكان الجميع قد بدأوا يلاحظون كثرة انفرادنا وشجارنا ويخمنون أن هناك شيئا .. اتفقت معها على أنها ستعرف اسم طبيبه المعالج لنتصل به وأننى سأتصل بها يوم وقفة العيد لترتيب موعدنا الجماعى مع دكتور عمر لزيارته ثالث أيام العيد .. كنت قد حكيت لمحمود صالح كل شيء وكنت عنده يوم الوقفة وكنت حزينا لأننى حاولت الاتصال بها تليفونيا مرات عديدة فى قريتها وكانت هناك مشكلة فى الخط ، كان محمود يستهجن تصرفاتها وقرارها ويلومنى على تصديقها ولما رأى حزنى لأنى لا أستطيع سماع صوتها لعدة أيام قال ساخرا : ما دمت مش عارف تكلمها ، روح لها البيت وخلاص ..
قلت له : والله فكرة .. يلا البس عشان تيجى معايا ..
أقسم أنه بالطبع يمزح والعجيب أن المجنون وافق بعد إلحاحى على صحبتى .. كان أهلها يعرفوننا بالسماع وكان شقيقها محمد يعرفنا من خلال رحلة معنا ، ولكن لم نكن واثقين من رد فعل زيارة مفاجئة كهذه وفكرنا فى التراجع أكثر من مرة أثناء الطريق وعندما سمعنا فى السيارة أم كلثوم تغنى " كل نار تصبح رماد مهما تقيد إلا نار الشوق ... " انفجرنا ضاحكين .. استقبلنا أخوها محمد بترحاب ، ثم والدها أيضا الذى جلس معنا عدة دقائق وقال إن البيت بيتنا ولكنه مضطر للاستئذان لارتباطه بعقد قران ابنة أخيه على ما أذكر ، وتركنا .. تصورنا للحظة أنه يطردنا بطريقة غير مباشرة ولكن فكرنا أنه لو كان تضايق من وجودنا كان سيجلس معنا ويمنع كريمة وأحلام من مقابلتنا ، ثم تأكدنا أنه لم يغضب عند مجيئهما ووالدتهما .. كان الاستقبال حافلا رغم أن كريمة وأحلام لم يصدقا نفسيهما من المفاجأة وأكدتا فيما بعد أن وقع الزيارة لم يكن سيئا كما اعتقدنا .. كانت كريمة ترتدى ثوبا أحمر من ملابس البيت البسيطة وكان دخولها علىّ بردا وسلاما وشعرت أنها أجمل آلاف المرات من كل مرة وكانت سعيدة جدا .. بالطبع اخترعنا سببا لا أذكره للزيارة وصدقنا أن الوالدة الكريمة صدقتنا ، كانت من النوع الذى ترتاح إليه للوهلة الأولى رغم حزنها الشفيف النبيل وصوتها الهادئ اللذان يأسرانك من اللحظة الأولى ، وجاءت الشقيقة الكبرى نشوى وكانت كريمة قد حدثتنى عنها من قبل .. أصر الجميع على مكوثنا حتى المغرب لتناول الإفطار معهم فقد كانوا صائمين واستجبنا فرحين رغم أننا لم نكن صائمين .. تناولنا الطعام معهم ببساطة ومودة غريبة وكنت أظن أننى فقط من ارتاح للجميع بحكم تعلقى بكريمة ، لكن محمود قال نفس الشيء .. اتصلوا هم بهند وشقيقتها وابنة أختهما وكان الثلاثة من نفس القرية وجاءوا إلى البيت غير مصدقات ونظرن لى ضاحكات وهن يقلن إن المجانين فى نعيم وتساءلن عما إذا كنت قد أحضرت معى محمودا ليقوم بدور ولى أمرى ، وكان معظم أعضاء المجموعة قد عرفوا تقريبا أن هناك علاقة بينى وبينها دون تصريح منا ، عدنا بسلامة الله أنا ومحمود دون قطع رقابنا كما تخيلنا ..
لم تحضر هى فى موعد زيارة دكتور عمر، رغم حضور أختها أحلام التى حملتها لها موعدا أنتظرها فيه ولم تأتى أيضا .. فوجئت بإحدى الزميلات فى المجموعة تلمح للموضوع ولما تحدثت معى قالت إن معظم البنات فى المجموعة يتصورن أننى أحب كريمة من طرف واحد بينما هى تحب الأستاذ أحمد من مدة كما يعرف الجميع وأننى أطاردها باستمرار .. وضحت لها الصورة منزعجا للغاية ، وبعد أيام اكتشفت أن أحلام أختها لديها نفس الفكرة أيضا والتى قالت لى إن كريمة تتعمد تجاهل مواعيدها معى ، قالت أحلام يومها كلاما فارغا كثيرا وتحدثت عن كريمة وبعض الزملاء والزميلات بطريقة سيئة تحمل أفكارا كثيرة مغلوطة تركت عندى شعورا شديدا بالقرف ووضحت لها أشياء كثيرة لم تكن تفهمها واكتشفت من طريقة كلامها أنها ليست قريبة من أختها كما كنت أعتقد .. قالت إن كريمة فى السكن فطلبت منها أن تذهب لإبلاغها بأننى أنتظرها فى الكلية حالا ، انتظرت ساعة كاملة ولم تأتى ، ذهبت إلى محمود صالح وأفرغت شحنة غضبى لديه وبعد دقائق دخلت كريمة ومعها زميلة لنا ، أنكرت كل كلام أحلام وقالت إن من عادتها أن تفهم أشياء من نفسها وتعتبرها حقائق وأكدت أنها لم تتجاهل موعدا واحدا لى بإرادتها وذكرت حججا كثيرة واستشهدت بزميلتنا التى كانت تقيم معها ..
عفوا .. أشعر أننى أطلت فى ذكر تفاصيل كثيرة ربما يرى البعض أنه لا داع لها ، لكننى أحاول تصوير الموقف كله بكل ترددها وطريقتها فى التعامل عسى أن تتفهموا ما ستفعله فى النهاية ولعلكم تفهمون ما لم أفهمه ..
دخلت والدتى علىّ حجرتى وأنا أذاكر فوجدتنى فى ملكوت آخر بالطبع ، سألتنى ما السبب فى تغيرى هذه الأيام فاعترفت لها أننى عاجز عن المذاكرة تماما ولن أدخل الامتحانات .. صعقت وانفجرت باكية وأنا معها بمنتهى الحرارة .. جاء والدى أيضا وانقلب البيت وقالا إن الامتحان ليس مهما ولكن المهم أن يطمئنا علىّ ويعرفا المشكلة التى تفعل بى هكذا .. قلت إنها مشكلة لا تحتاج إلى حل وإنه مجرد حزن سينتهى مع الوقت ، ورفضت الكلام .. فوجئت بانهيارهما أكثر منى وانهرت حين انحنى والدى الصلب جدا على يدى وهو يقول : أبوس إيدك ارحمنا واتكلم ..
كان يوما كئيبا انتهى بذهابى للدكتور عمر وحكيت له كل شيء وطلب منى نسيان كل شيء والتفكير فقط فى الامتحانات التى كانت بعد أيام معدودة ، عرفت فيما بعد أن والدى ذهب للدكتور عمر فى نفس اليوم وعرف منه الحكاية كلها رغم تأكيدى عليه بالطبع ألا يخبر أحدا .. المهم ضغطت على نفسى وبدأت الامتحانات وأثناء الامتحانات بعثت كريمة لى أوراقا مع أحدهم تشرح لى موقفها وتؤكد أنها لم تتعمد الإساءة لى مطلقا ولا التلاعب بمشاعرى ورددت عليها بأوراق مثلها وتقابلنا صدفة عند محمود ذات مساء ورفضت أن أكلمها تماما ونزلنا نحن الثلاثة كل منا إلى طريق ففوجئت بها أنا ومحمود تنفجر باكية فى الشارع وتوشك على الانهيار وهى تقسم أنها مظلومة وأنها تحبنى .. أنتم تعرفون بالطبع أن رؤية الحبيبة تبكى هو أمر غير محتمل للحمقى أمثالى وبالتالى فقد تحدثنا من جديد وصدقتها بالطبع لأننى أود أن أصدقها ، لكن الجديد فى هذه الليلة أن محمود صالح لأول مرة صدقها وقال إنها تحبنى بلا أدنى شك ، قالت إنها ستحل الموضوع واشترطتُ عليها لأكون معها أن تقرر أنها لى بغض النظر عن حل موضوع الأستاذ أحمد أو لا فوافقت ..
بعدها بيومين وقبل دخولى لجنة امتحان مادة الصحة النفسية قابلنى محمود وقال إنها طلبت منه إبلاغى أن أنسى كلامها الأخير لأنها صلت صلاة استخارة وهداها الله لإكمال التضحية المزعومة .. قابلتها بعد الامتحان وطلبت منى أن أسامحها ولا أكرهها وأن نظل أصدقاء وقالت إنها تثق فى سعة صدرى وأننى لن أكرهها أبدا مهما قلت لها الآن .. لم أناقشها فى شيء ولكن ذكرتها فقط بأننى تقريبا كنت قد نسيت الموضوع قبل أن أعرف أنها تحبنى وأنها هى التى قالت ذلك وأدخلتنى بعدها فى مشكلة أشعر أنها مختلقة وأتعبت أعصابى بترددها المستمر .. افترقنا على وعد بعدم فتح الموضوع أبدا .. انتهت الامتحانات ونجحت بفضل الله ، ودأبت أمام الأصدقاء على أن أؤكد نسيانى لها تماما وسخطى عليها ، وصدق الجميع أو قالوا إنهم صدقوا .. بعدها بشهور كنت عند محمود وتكلم هو عنها فأكدت ما قلته من سخطى عليها وزدت فى كذبى بطريقة مبالغ فيها جعلتنى عندما عدت إلى المنزل أجلس بمفردى محدقا فى سقف الحجرة طويلا وقد أشعرتنى المبالغة بالحقيقة التى أحاول إخفاءها حتى عن نفسى .. وأمسكت القلم وكتبت فى دفترى صفحات كثيرة لها ، اعترفت أننى لا أزال أفكر فيها يوميا بل أكثر مما مضى فأصبحت أخطئ مثل أبطال الأفلام السخيفة وأنادى غيرها باسمها أكثر من مرة وأحلم بها عدة مرات وأشياء كثيرة من هذا القبيل وكتبت إن اعترافى هذا سأحتفظ به لنفسى فقط لكى تستريح أعصابى ولن أحاول فتح الموضوع أبدا ، وسجلت فى دفترى دعائى لله بأن يخلصنى من حبها ، ثم شطبته فورا وعدلت الدعاء بألا يخلصنى الله من حبها أبدا ولكن فقط يجعلنى قويا للاستمرار فى الحياة ونسيانها .. يبدو أن أبواب السماء كانت مفتوحة عن آخرها تلك الليلة ..
بعدها بأسابيع كنت عند رفيق وكالمعتاد كنت شاردا ، قلت له : عايز اقولك سر .. قال : من غير ما تقول عارف .. عارف إنك لسة متنيل بتحبها .. وبعدين يعنى ؟..
اقترح رفيق أن أتصل بها بعد هذه الشهور فربما تكون المدة جعلتها تفكر بتعقل ، أو أن أتصل بالأستاذ أحمد وأخبره بأنها لا تحبه وأتقدم لأهلها وأشرح لهم الموقف .. اتصلت بها وكنت أنتظر أن ترفض المجئ لكنها جاءت ولم تصدق أننى يمكن أن أفعل شيئا رغما عنها كأن أتصل بالأستاذ أحمد أو أهلها وأكدت أننى لو فعلت فلن يتغير الأمر بينى وبينها على أية حال .. كانت تتكلم بتصميم أزعجنى لكنه ساعدنى للمرة الأولى لتصديق أن الموضوع انتهى ..
أخذت عهدا على نفسى فى دفترى بعدم فتح الموضوع نهائيا من جانبى ، وسجلت يومها هذه المقطوعة الشعرية التى أحبها فى دفترى :
( الحلم الأخير )
تجمل ..
فليس أمامك سوى الانهيار أو الأسئلة ..
ها همو الذين حملت فى القلب
عاما فعاما
أشعلت لهم دمك مواسم
يشربون نخب دمك الأخير
يقامرون على جثتك الآن
وها أنت تراود النسيان
لا تنس ..
فهب أنت الآن تناسيت
أغلقت على الأحزان وغنيت
فهل يرتد الأعداء
وهل يخضوضر جدب الحلم ؟!! ..
--------------------------------------

وبالفعل التزمت عهدى هذه المرة ولم أحاول فتح الموضوع أبدا .. بعدها ربما بعام كامل عرفت أنها تزوجته بالفعل ورغما عن أهلها الذين اعترضوا على زواجها منه ، ولكن يبدو أنها أقنعت والدتها فأتموا الزواج فى منزله بحضور والدتها فقط ووالدته والشهود .. ثم بعدها بفترة علمت أنها سافرت إلى خالها المهاجر إلى إيطاليا للعمل هناك .. هل تركت زوجها ؟ .. هل هى فترة وتعود ؟ .. لم أعرف .. ولم أحاول أن أعرف ..
فكرت والأصدقاء فى معنى إصرارها هذا .. هل كانت تحبه ولذا قاومت أهلها ؟ .. أم هل هى مقتنعة حقا بمسألة التضحية ؟ وأين أنا من كل هذا ولماذا ادعت أنها تحبنى وجعلتنى أحترق ومضت ؟ ..
اقتنعت أنها حتما لم تحبنى ، ربما تصورت هذا فقط ، ولكن ما من إنسانة وإنسانة رومانسية حسبما كنت أعتقد ، تستطيع أن تفعل هذا بنفسها وبمن تحب .. هذا الاعتقاد أراحنى بعض الشيء وجعلنى أحاول الانشغال بحياتى العملية التى كانت قد بدأت بتعيينى مدرسا فى مدينة المطرية بعيدا عن المنصورة بحوالى 70 كم مما اضطرنى للإقامة هناك خمس سنوات كاملة حدث فيها الكثير لى ، لكننى أستطيع القول أننى خلالها لم أفكر فيها ، أو فكرت ولكن دون أن يخطر لى أن الموضوع لم ينته ، فقط بضع أحلام متناثرة وحزن شفيف يغلف القلب ..
مهلا .. لم تنته الحكاية بالطبع .. على العكس ستبدأ من جديد على أشدها ، ستشتعل نيران قد انطفأت وتثور ذكريات قد خمدت وتتجدد أسئلة ظلت بلا إجابة لسنوات طويلة ، وتحدث أحداث غريبة غير مفهومة ، تنتهى بنهاية غريبة مأساوية ، ولكن قبل هذا لابد أن تعرفوا نبذة بسيطة عن سنواتى فى المطرية وما حدث خلالها وخطبتى لزوجتى دخل الربيع ، حتى تتخيلوا مشاعرى حين تعود العنقاء للظهور من جديد ومعها جعبة لا تنتهى من المفاجآت ..
* تسجيل صوتى جديد لست الحزن :

وهذا أخيرا جزء من قصيدة للشاعر عزت الطيرى ، كنت أحفظها عن ظهر قلب وهى مسجلة أمامى فى دفترى القديم ..
" كافٌ.. نونْ
هل أنت المجنونْ
بل أنت العاشق والراهب فى دير الحسناء
السمراء الحوراء وذات الطرف المسنونْ
كيف تركت فضاءك وهواءك أهواءك
أهليك وإخوتك
وجئت جلست أمام قضائك أعواما وقرونْ
ما أنت الولد الممراح الرواح المنفلت
المنطلق بحارات النجع
ولكن أنت المسكينْ ..
بل أنت مسحور بالطلسم
مسجون وسجينْ ..
هل تحلم أنك ستذوق الصهباء بشفة من ورد وحنينْ
أم تشرب من ريق هداك العسل المكنونْ
كلا .. سوف تريك من الصدّ فنونْ
كلا .. سوف تذيبك وتذيبك
فتصير خيالا
جوالا تهذى بكلام محزونْ
فاخلع خفيك
والبس خوفيك
واسجد لله وقل
أنْ تبت من العشق
وأنى كنت بعاشقتى
مسكين .. مسكونْ ."