عمر وباسل

Your pictures and fotos in a slideshow on MySpace, eBay, Facebook or your website!view all pictures of this slideshow

الاثنين، 8 فبراير، 2010

( هيضربوهم وهم بيصلوا )

( الجزء الثانى من حكاية طار فى الهوا شاشى الموجودة هنا )



سافر الموكوس إلى بلاد الفلوس كما يقول عمنا محمود السعدنى .. حصل عاصم على تأشيرة زيارة لدولة الإمارات وسافر باحثا عن عمل عدة شهور وفى كل مرة كان عليه أن يغادر البلاد ليحصل على تأشيرة دخول جديدة ، وكان المعتاد لأمثاله من المساكين المغادرين أن يغادروا إلى مدينة ( كيش ) الإيرانية لقربها وقلة نفقات السفر إليها ، فيقيمون بها عدة أيام ثم يعودون للإمارات ..

ما إن دخل المطار الذى سيستقل منه الطائرة إلى ( كيش ) حتى لفتت انتباهه طائرة أثرية غريبة المنظر أشبه بطائرة شراعية .. صغيرة للغاية ومنخفضة جدا ، تشبه التوك توك المصرى المعروف حاليا .. ربما تكون أول طائرة استقلها الشيخ زايد رحمه الله .. شيء من هذا القبيل .. أنهى أوراقه وفوجئ بأن الذهاب للطائرة بلا باص ولا يحزنون .. أخذ مكانه فى طابور المغادرين الطويل الذى يضم جنسيات شتى من بقاع الأرض .. توقف الطابور أمام الطائرة الأثرية إياها .. آااااه .. هذه الطائرة ستحملهم لطائرة السفر بدلا من الباص .. تغيير يعنى .. يادى الهنا .. أمك داعيالك ياد يا عاصم .. مقاعد الطائرة مصنوعة من صاج قديم يعلوه الصدأ ، تماما مثل أوتوبيسات القاهرة العتيقة .. المقاعد بلا أحزمة على صفين بينهما ممر ضيق للغاية .. لم يكن يصدق أن تلك الطائرة سيمكنها التحرك مترا واحدا .. لكن المعجزة حدثت وسارت الطائرة ، بل وياللمصيبة طارت أيضا .. مفزوعا وجدها تحلق بعيدا لتغادر المطار وتعلو وتعلو بينما قلبه يتهاوى بين قدميه .. هى دى ؟! .. استنى يا كابتن انت .. أنا ركبت غلط ولا إيه ؟ .. حد يوقف الطيارة دى يا عالم .. نزلونى هنااااااا .......

لم يبصر سوى وجوه آسيوية عابسة منهكة ، لكنه استطاع أن يفهم أن هذه الطائرة الموكوسة مكسورة الجناح مثله هى التى ستحمله إلى إيران .. يا داهية دقى .. ده أنا لسة ما دخلتش دنيا يا ناس ..

نظر إلى الطيار فوجده يجلس على مقعد مشابه لمقاعد الركاب ، بلا غرفة قيادة ولا مساعدين .. اللهم إلا عامل آسيوى بسيط يدفع ترولى صغير عليه بعض البسكويت والشيبسى والمياه الغازية .. ذكره المشهد على الفور بقطارات السكة الحديد المصرية وتخيل أن العامل سيهتف بالعامية المصرية : " بيبس .. يلا ساقع بيبس " .. كعادته فى أحلك المواقف لا يجد عاصم أمامه إلا أن يبكى ببسالة منقطعة النظير .. تساقطت دموع القهر طويلا وهو يتلو الشهادتين ويردد بعض آيات القرآن طوال الرحلة التى انتهت بسلام ولا يدرى كيف ..

كانت شركة الطيران قد حجزت لهم فى فندق معين .. وصل إلى الفندق متعبا يتوق إلى النوم .. صعد إلى غرفته وكانت عبارة عن صالة واسعة بها أكثر من عشرة أسّرة .. يلا .. أهى نومة والسلام .. بينما كان يخلع ملابسه فتحت فتاة آسيوية الباب وخلعت بعض ملابسها ببساطة لتستلقى على السرير المجاور لسريره فى صمت .. عندئذ فقط أبصر مبهوتا فتيات أخريات نائمات فى الغرفة .. ارتدى ملابسه فى ثوان منسلا من الغرفة على أطراف أصابعه وكأنه رجل ساقته قدماه بطريق الخطأ إلى دورة مياه للسيدات .. فى صالة استقبال الفندق عرف أن الغرف كلها هكذا .. سلطة يا معلم وكله على كله يا فنان وعيش بقى وافتكر دعوات الست الحاجة .. لم يقرب الغرفة مرة أخرى وبات ليلته على مقعد فى صالة الاستقبال ، باكيا كالمعتاد ..

فى الصباح عثر على بعض المصريين ساعدوه على الانتقال لفندق آخر .. اليوم يوم الجمعة .. استيقظ مستبشرا وجائعا .. اشترى بعشرة آلاف خبزا وبضعة آلاف أخرى بعض الجبن وأخذ يأكل بنهم .. لم تخطئوا القراءة .. نعم .. آلاف .. لقد كان مليونيرا وقتها .. الحكاية أن الدرهم الإماراتى كان يعادل آلافا من العملة المستخدمة هناك التى اكتظت جيوبه بالملايين منها .. حانت صلاة الجمعة فسار متجها لأقرب مسجد .. لدهشته رأى كل واحد من المصلين يتناول حصاة صغيرة قبيل دخوله المسجد .. تراجع قليلا ووقف يراقب المشهد .. لم يدخل أحد دون حصاة .. يعنى انت اللى هتعمل فيها فكيك ؟! .. هزّ رأسه متعجبا وتناول حصاة ودخل .. لاحظ أشياء عجيبة بالمسجد .. هناك صور لأشخاص معلقة على حوائط المسجد .. كانت كلها لشيخين جليلين .. الأغرب أن المصلين مبعثرون فى المسجد بلا نظام .. ربما إلى أن تحين الصلاة .. المذهل أنه وجدهم حين يسجدون يضعون تلك الحصاة أسفل جباههم .. لم يفهم شيئا من الخطبة لأنها كانت باللغة الفارسية بالطبع .. قاموا لصلاة الجمعة .. ما إن يضع قدميه بجوار أى أحد حتى يبتعد عنه نافرا .. تشمم ملابسه .. ده أنا لسة مستحمى يا ولاد الذين !! .. تلفت حوله ليفهم أخيرا أنهم يصلون بلا صفوف .. الصفوف ليست مهمة الآن بقدر ما أبصرته عيناه المذعورتان .. فى وسط المسجد ونهايته مجموعة من الجنود المسلحين ببنادق آلية ، يعطى كل واحد منهم ظهره للآخر ويدورون فى دائرة متحركة وهم يمسحون المسجد والمصلين بعيون تندلع منها النار ..

يمكن إرهابيين عايزين يحتلوا المسجد ؟! .. لأ ... طيب شرطة لحفظ النظام ؟! .. أى نظام ؟ .. ده مولد وصاحبه غايب يا عمى ..

هل يهددون من تسول له نفسه السجود دون حصاة ؟ .. اسجد يا عم بضمير شوية وخلى بالك من الزلطة بتاعتك ..

يكاد يشعر بكعوب البنادق منغرسة فى ظهره وركبتاه تصطكان رعبا وخاصة عندما تذكر عبارة " هيضربوهم وهم بيصلوا " من فيلم

وا إسلاماه حين هجم التتار على المسلمين وهم يصلون ..

انتهت أغرب صلاة صلاها فى حياته ليهرول خارجا من المسجد حتى أنه لفرط سرعته ودهولته نسى حصاته الغالية .. عرف بعدها أنه أخطأ ودخل أحد مساجد الشيعة وأن الصور المعلقة على حوائط المسجد كانت – كما يتصورون – لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ولسيدنا على بن أبى طالب كرم الله وجهه .. والحصاة المقدسة هى رمز حزنهم وتعذيب جباههم وضمائرهم لمقتل الحسين بن على سيد الشهداء ، أما الجنود المدججون بالسلاح فوظيفتهم تهديد من يسبق الإمام فى الصلاة ..

بعد هذه الرحلة الغريبة أصبح عاصم متخصصا فى السفر إلى ( كيش ) وأصبح دليلا لكل المغادرين الجدد ، يأخذ بأيديهم إلى الطائرة الجهنمية ببسالة ويدلهم على الفنادق المناسبة والمساجد المناسبة التى لا يسمعون فيها العبارة المرعبة :

" هيضربوهم وهم بيصلوا " .