عمر وباسل

Your pictures and fotos in a slideshow on MySpace, eBay, Facebook or your website!view all pictures of this slideshow

السبت، 19 يونيو، 2010

سيبني لبكرة الله يخليك


عاد عمر من مدرسته مريضا شاحبا وثيابه غارقة بما لفظته معدته .. أعطيناه بعض الأدوية والمشروبات الساخنة ، لكن معدته أصرت على لفظ كل ما يدخلها حتى الماء .. ذهبت وأخذت له موعدا فى المستشفى وعدت لآخذه من البيت .. كان المعتاد أن ندخل للطبيب فى موعدنا بالثانية ولكن هذه المرة تأخرنا فى الدخول – ياللهول – ربع ساعة كاملة واكتشفت بكل فخر أن سبب تأخيرنا هو موظفة مصرية بالمستشفى فقد كان ابنها مريضا فأدخلته للطبيب بلا موعد سابق وأخذت دورنا .. المهم .. قال الطبيب إنها نزلة معوية ولابد من مبيت عمر بالمستشفى ليلة أو ليلتين ليعلقوا له محاليل .. حمدنا الله أننا جئنا به .. كان المعتاد أن ندفع عندئذ كشف الطبيب 50 درهما ونسبة معينة من ثمن العلاج ، فكل منا له بطاقة تأمين صحى باعتبارى موظفا حكوميا .. هذه المرة لم ندفع شيئا فعرفت أننى سأدفع دم قلبى بعد خروجه لإضافة ثمن المبيت .. فالمستشفى فاخرة ..

صعدنا إلى غرفته المخصصة وهالتنى فخامتها وجمالها .. غرفة مستقلة بحمّام وتليفزيون وثلاجة .. هتفت : يا خراب أوضتك يا سنبل ..

تذكرت مستشفيات مصر بكل فوضاها وتواضع أحوالها وعرفت حقا أن الغالى ثمنه فيه .. الممرضات حسناوات أنيقات ويصعب تمييزهن عن الأطباء ويتعاملن مع عمر برقة ولطف واهتمام وكأنه ابن رئيس الدولة .. العاملات فى غاية البهاء والنظافة والجميع يتعاملون بإنسانية مفرطة دون أن يفتح أحد يده كما يحدث عندنا فى مصر .. عدت إلى البيت لأحضر بعض الأشياء ثم تركت عمر وأمه هناك مطمئنا عليهم كل الاطمئنان .. فى الصباح تحسن عمر وكانت المشكلة فى أمه لأن أعصابها تعبت على حد قولها بسبب الاهتمام الزائد والرعاية غير الطبيعية من الجميع وقالت إنها تذكرت مستشفيات مصر بلوعة حقيقية .. قضينا الصباح هناك فى الضحك ونحن نفكر جديا أن نعزم بعض الأصدقاء لمشاركتنا تلك الرحلة الخلوية .. كانوا قد أخذوا عينات للتحليل من عمر وجاءت نتيجتها جيدة فى نفس الليلة .. خرجت لأصلى الجمعة فاتصلت أم عمر لتخبرنى أن الطبيب صرح لعمر بالخروج فقلت لها أن تدفع الحساب لو كان ما معها يكفى .. اتصلت مرة أخرى فتوقعت أن المبلغ هائل فقالت إنهم قالوا : ولا درهم .. سألتها كيف ونحن حتى لم ندفع ثمن كشف الطبيب كالمعتاد .. ذهبت وأخبرتهم بذلك فكرروا نفس الرد .. قالت إن الطبيب طمأنها على عمر وسألها إن كانوا يريدون البقاء أم الخروج .. على راحتهم يعنى فى الفيلا اللى اشتراها أبونا .. جاءت ممرضة وأعطتنا ورقة استبيان لأخذ رأينا فى خدمات المستشفى .. أعطيناهم درجة امتياز فى كل شيء ونحن نخشى لو كنا نحن المقصرين كمرضى .. خرجنا من المستشفى ونحن نقدم رجلا ونؤخر الأخرى وكل منا يفكر فى العودة للطبيب ليقول له كشهرزاد :

سيبني لبكرة الله يخليك ..

طبعا ممكن حد يتصور إن كل ده مش كتير لأن أكيد بطاقة التأمين الصحى لكل منا بمبلغ باهظ .. الحقيقة لأ .. تكلفتها 600 درهم سنويا والأدهى أنها على حساب الحكومة لكل منا .. للموظف الحكومى وزوجته وثلاثة من أطفاله .. يعنى كل ده مجانا .. كشف وعلاج داخل وخارج المستشفى وتحاليل ومبيت وطعام وخدمة خمس نجوم مجانا .. الأغرب أن الأشعات وحتى المقطعية منها ، بل والعمليات الجراحية والولادة أيضا مجانا .. تخيلوا ؟! .. قضينا باقى اليوم نتحسر على حال التأمين الصحى فى مصر ونقارن رغما عنا .. التأمين الصحى المصرى ينفق أموالا طائلة بالملايين ولكن على أبناء الوزراء وأعضاء مجلس الشعب وعائلاتهم ، بينما الفقراء والمعدمون يموتون جوعا ومرضا وكمدا .. ناهيك عن حال المستشفيات المزرى بلا مبالغة والتعامل غير اللائق مع جميع المرضى وحتى مرضى القلب والسرطان ، فقد يدخل المريض وهو يعانى من مرض واحد ويخرج بإضافة قائمة أخرى من الأمراض أقلها ارتفاع ضغط الدم وإهدار كرامته .. بالمصادفة البحتة فى اليوم التالى كنت أتحدث عبر الإنترنت مع أحد الأصدقاء فى مصر وحكى لى أنه لم ينم ليلة أمس لأن صديقا له صدم رجلا بسيارته ونقله للمستشفى ، لكن إدارة المستشفى رفضت استقبال المصاب إلا بعد أن تأتى الشرطة وتحرر المحضر .. وقد كان وحررت المحضر بالفعل ومعه شهادة وفاة المصاب الذى ظل خارج المستشفى وقتا طويلا ..

حكيت له ما حدث معنا فى اليومين الماضيين واستمع لى فاغر الفم وهو يكاد يبكى وأخذ يروى لى حكايات مشابهة تماما فى مصر .. أطرفها أنه منذ عدة سنوات افتتح السيد الرئيس مستشفى حكومى فى محافظة صديقى وكان أن أخرجت المستشفى جميع المرضى منها قبل مجيء الرئيس وقامت بتأجير عمال إحدى الشركات لتمثيل دور المرضى أثناء الزيارة .. لم أصدق مثلكم فأقسم صديقى أن هذا حدث ورواه له أخوه الموظف بالصحة .. كما أقسم أن سيارة إسعاف أحضرت مصابا أثناء الزيارة فمنعوها من الدخول وتركوها فى حديقة المستشفى لحين انتهاء الزيارة ..

رغما عنى أخذت أتذكر كثيرا من مصائب وطرائف المستشفيات المصرية سواء ما رأيته بعينى أو ما حكاه لى أصدقائى الأطباء وهم كثيرون ..

أجريت حتى الآن عملية جراحية واحدة وأجريتها من عبطى وتغفيلى فى المطرية دقهلية رغم أننى من المنصورة .. أدخلونى حجرة جرداء لم يخطر لى مطلقا أنها حجرة العمليات ، فلا تعقيم ولا يحزنون ولا أدنى درجات النظافة العادية ، بل إن الشباك كان مفتوحا على مصراعيه والله العظيم ولذلك تصورتها حجرة فحص عادية .. أعطونى المخدر الموضعى ورأيت الجراح يشعل سيجارة وبدأ يفحص منطقة العملية على ما بدا لى والسيجارة لا تزال بيده .. بعد ربع ساعة عرفت أنه أنهى العملية بالفعل والمذهل أنها كانت ناجحة فلم أشتك منها بعدها ..

أما نوادر الأطباء فكلكم تعرفون الكثير منها ، لكن أطرفها على الإطلاق ما حكاه لى صديق طبيب عن خطأ بسيط جدا تسبب فى تبديل مريضين كل مكان الآخر فى عمليتين جراحيتين .. الأول كان سيجرى عملية لحمية بسيطة فى أنفه والثانى عملية استئصال بسيطة أيضا .. مريض اللحمية وجد الطبيب منهمكا فى العمل فى نصفه السفلى الذى لم يعد يشعر به بعد أن حقنوه بمخدر نصفى .. ظل يضرب أخماسا فى أسداس ليعرف ماذا يفعل الطبيب بأسفل ، ثم تجرأ وسأله :

- دكتور .. إنت بتعمل إيه عندك تحت ؟

- خلاص اطمن .. قربنا نخلص أهو .

- تخلصوا إيه ؟ هى مناخيرى نزلت تحت ؟

- مناخيرك إيه يا جدع إنت ؟ مش انت هتعمل استئصال للعضو التناسلى ؟

- استئصال إيه ؟ .. يا ولاد الكااااااااااالب ..

سألت صديقى طبعا وكيف لم ينتبه الطبيب إلى سلامة أنسجة ما استأصله فقال : عادى بتحصل ..

الأطباء دوما على حق كما تعرفون ولا يمكنك أن تأخذ حقك من أحد مهما كان الخطأ .. أعترف أن مستوى الأطباء عامة فى مصر أفضل من هنا بكثير جدا ولكن المستشفيات بصفة عامة لا .. ولا وجه للمقارنة أساسا ولا يقل لى أحدكم إن النقود هى السبب فليست مصر فقيرة مطلقا .. بس الفلوس بتروح فين ماحدش عارف .. أو عارفين بس مش بنعمل حاجة .. هاستأذنكم بقى لأنى باجهز نفسى وشنطتى .. ناوى أتعب بكرة ويجيلى دور برد خفيف علشان أروح أستجم شوية فى المستشفى هنا .. والمرة دى مش هنكسف أقولها للدكتور : سيبنى لبكرة الله يخليك .