حبيب حياتى ( عمر )

31 أكتوبر, 2009

الكبار يرحلون




رحل عنا - إلى جنة الخلد بإذن الله وفضله - اثنان من الكبار فى يوم واحد .. اثنان من أصحاب الهامات السامقة التى تطول السماء ولا تنحنى ، إنسانان ورجلان بحق فى زمن اختفت فيه الإنسانية واضمحلت الرجولة .. هما الدكتور والمفكر الأديب العالم مصطفى محمود والمفكر القائد والوزير الأسبق أمين هويدى .. وكلاهما ترك بصمته للأبد على جدار قلوب كل المصريين باحترامه وعلمه وحبه للوطن .. أسكنهما الله فسيح جناته ، وهذه - نقلا من موقع اليوم السابع - نبذة بسيطة عنهما :


توفي صباح اليوم السبت المفكر والعالم المصري الدكتور مصطفى محمود عن عمر يقترب من الثمانية وثمانين عاما بعد سنوات من المرض ابتعد خلالها عن الحياة العامة.

وقد شيعت جنازة الكاتب الراحل بعد صلاة ظهر اليوم من المسجد الذي أنشأه بحي المهندسين في العاصمة المصرية القاهرة.

ولد مصطفى كمال محمود حسين يوم 27 ديسمبر/كانون الأول 1921 وتلقى تعليمه الأولي بمدينة طنطا في دلتا مصر، ثم درس الطب في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) لكنه اتجه إلى الكتابة والبحث وألف نحو مائة كتاب ومسرحية في مختلف المجالات الطبية والدينية والفلسفية والاجتماعية.

واشتهر محمود خصوصا بكتبه الدينية والفكرية والفلسفية التي كان من أشهرها "حوار مع صديقي الملحد" و"رحلتي من الشك إلى الإيمان" و"القرآن محاولة لفهم عصري" و"لماذا رفضت الماركسية؟" و"أكذوبة اليسار الإسلامي" و"الإسلام ما هو؟".

كما اشتهر المفكر الراحل، الذي نال في العام 1995 جائزة الدولة التقديرية، بتقديم برنامج تلفزيوني أسبوعي بعنوان "العلم والإيمان" على شاشة التلفزيون المصري تحدث فيه عن معجزات الله في الكون، ووصل عدد حلقاته إلى الرقم 400 وفقا لوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية.

وأنشأ الراحل جمعية خيرية تحمل اسم "جمعية محمود" ضمت مسجدا ومستشفى يطلان على ميدان شهير حمل اسمه أيضا في شارع جامعة الدول العربية بالقاهرة، كما واظب لفترة على كتابة مقال أسبوعي بصحيفة الأهرام قبل أن يعتزل الناس بسبب أمراض الشيخوخة.

بالإضافة إلى مجموعاته القصصية، قدمت السينما المصرية أفلاما مأخوذة عن بعض رواياته ومنها فيلم "المستحيل" الذي اختير بين أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية في استفتاء للنقاد عام 1996.

شيعت بعد صلاة ظهر اليوم السبت جنازة وزير الحربية الأسبق أمين هويدى فى جنازة عسكرية من مسجد القوات المسلحة بامتداد رمسيس.

حضر الجنازة عدد من كبار قادة القوات المسلحة وكبار رجال الدولة وتلاميذه وأصدقائه وأسرة الفقيد.

والفقيد من مواليد قرية بجيرم مركز قويسنا محافظة المنوفية فى 22 سبتمبر سنة 1921، وتخرج فى الكلية الحربية وانضم إلى تنظيم الضباط الأحرار ليشارك فى ثورة 23 يوليو 1952، وتولى رئاسة المخابرات العامة المصرية ووزارة الحربية أيضا فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر ليكون الوحيد الذى جمع بين المنصبين.

وحصل الفقيد على بكالوريوس فى العلوم العسكرية من الكلية الحربية المصرية وماجستير العلوم العسكرية من كلية أركان حرب المصرية وماجستير العلوم العسكرية من كلية القيادة والأركان الأمريكية وهى أرقى كلية قيادة يدخلها أجنبى من أبوين غير أمريكيين وماجستير فى الصحافة والترجمة والنشر من جامعة القاهرة.

وتقلد هويدى العديد من المناصب المهمة من بينها مدرس فى الكلية العسكرية وأستاذ فى كلية الأركان ورئيس قسم الخطط فى العمليات العسكرية بقيادة القوات المسلحة وقد وضع خطة الدفاع عن بورسعيد وخطة الدفاع عن القاهرة فى حرب 56.

وكان نائبا لرئيس جهاز المخابرات العامة قبل 1967 ثم تولى رئاسة الجهاز بعد هزيمة 67.

وكان الفقيد مستشارا للرئيس عبد الناصر للشئون السياسية، ثم سفيرا فى المغرب وبغداد، وتولى منصب وزير الإرشاد القومى ثم وزيرا للدولة لشؤون مجلس الوزراء ثم وزيرا للحربية ورئيسا للمخابرات العامة فى نفس الوقت.

والجدير بالذكر أنه بعد وفاة عبد الناصر وفى أحداث 15 مايو تم اعتقاله ضمن مجموعة 15 مايو بتهمة الخيانة العظمى، وحوكم ثم تم وضعه تحت الحراسة ليعمل فى البحث والتأليف والكتابة؛ حيث له 25 مؤلفا باللغة العربية والإنجليزية ، ومن مؤلفاته (كيف يفكر زعماء الصهيونية - الفرص الضائعة - 50 عاما من العواصف: ما رأيته قلته - حرب 1967: أسرار وخبايا) .

22 أكتوبر, 2009

متابعات إعلامية فى الدولة الكوميدية



بما أن انتظارى حتى أكتب شيئا جديدا أو مفرحا أو مختلفا ، جاء بلا فائدة ، فلا مفر إذن من التعليق السريع على الأحداث وما يحدث فى مصر من سخافات أتابعها بشكل يومى ليزداد الإحباط ويذوب الأمل .. الواقع أن الحياة مجدبة على كل المحاور سوى الصعيد العائلى والشخصى فحياة الأسرة والأولاد هى التى تدفع الإنسان ليواصل فقط ويحاول اقتناص بضع لمحات من الأمل ويظل يتابع الدنيا من حوله فاغرا فمه لما يحدث وغالبا لا يحاول أن يغير شيئا إما لعجزه أو تكاسله أو انشغاله بكل ما هو ذاتى فقط .. لنبدأ نشرة الأخبار إذن ..

· أنفلوانزا الخنازير : نكتة تضحك وتبكى وقد حولتها الحكومة المصرية إلى مأساة وملهاة فى وقت واحد فالإعلام المصرى وحده هو من يضخم أمرها وليته يضخم الأمر ويستعد له كما ينبغى ولكن على العكس فقد سافرت مثلا عدة مرات خلال الفترة الماضية ولم أخضع لأى فحص فى المطار كما يدعون ، أما الحديث عن المدارس والاستعدادات الرهيبة التى اتخذتها وزارة التربية والتعليم فأثق أنها أكذوبة كبيرة فأعلم جيدا أن معظم مدارسنا بلا مياة ولا دورات مياة أساسا .. الطلاب فرحون بالغياب عن المدرسة والمدرسون فرحون بازدياد الدروس الخصوصية والأهل مطحونون بين خوفهم على الأطفال وبين نزيف جيوبهم ، والحكومة فرحة بتجهيل الشعب المستمر وإرساله إلى غيبوبة لا تنتهى .

· شوبير ومرتضى منصور/ مدحت شلبى وعلاء صادق / نور الشريف واتهامه بالشذوذ : غثاء لا ينتهى والمذهل اهتمام الناس بما يجرى وقد أذهلنى حديث البعض عن هؤلاء باعتبارهم رموزا ومثلا أعلى !! وأنا أراهم حفنة من المنتفعين الذاتيين وكل منهم على استعداد لفعل أى شيء فى سبيل تشويه الآخر والقضاء عليه لأسباب شخصية بحتة وليذهب الوطن للجحيم هو وكل الأنصار الحمقى الذين يدافعون عن النجوم المزيفين .. المؤسف أن كثيرا من الإعلاميين الناجحين يشاركون فى تضخيم الأمور ولا يشغلهم سوى الإثارة السخيفة فأصبحت أشك فى كثير من الإعلاميين المخلصين الذين طالما اعتبرتهم كذلك ووجدتهم فى كثير من الأحيان ينحدرون كالآخرين .. ليذهب كل هؤلاء للجحيم ولتخسر مصر أمام الجزائر أوأمام المريخ ، فليتلاشى الفريق القومى ذاته وكل اتحادات الكرة التى تضيع الملايين والشعب جائع والقمامة تفرش الشوارع والمرضى لا يجدون علاجا والطلاب لا يجدون تعليما حقيقيا والعاطلون فى ازدياد مستمر .. يا إلهى كيف يعيش هذا الشعب بالغ الاحتمال ؟!

· شيخ الأزهر والنقاب : وددت لو ناقشته وجها لوجه لأن كل من ناقشه لم ينزل به ما يستحق وحتى منى الشاذلى كانت رحيمة به بلا داع ، سمعته بأذنى يقول إنه عندما دخل الفصل لمح على الفور نظرات الطالبات الغاضبات إلى زميلتهن المنقبة ولمح نظراتها المتعالية عليهن وكان هذا ما أثاره وجعله يهينها كل هذه الإهانة غير الإنسانية بل ويتمادى فيصدر قانونا بشأن النقاب فى المدارس وأجزم لو أنه رأى طالبة متبرجة أو عارية داخل المعهد الدينى لم يكن ليفعل لها أى شيء وكانت سترد عليه بكل جرأة .. حتى هؤلاء يسقطون ؟! .. سمعت كذلك الدكتور مبروك عطية والذى لم أكن أحبه من الأصل لأنه يستخف دمه بلا سبب وخاصة مع المذيعة لمياء أو لومة كما يناديها السيد المبجل ، سمعته بينما يجيب على سؤال لأحد المشاهدين يترك الموضوع فجأة ويلقى قصيدة مديح فى رئيس الجمهورية والسيدة الأولى وأفضال العائلة على الشعب المصرى متحدثا بطريقة كما لو كان يتحدث عن أحد الخلفاء الراشدين أو الصحابة – وكل الاحترام بالطبع لمن تحدث عنهم فهذا ليس موضوعنا – ولكنه النفاق والتزلف الفاضح المخزى من رجل لديه علم بكل أسف .. ترى أين رموز هذا الشعب البائس ؟ .. فى السجون أو خارج مصر أو مشغولون بصراعات الأحزاب وما شابه ؟ ..

· هالة مصطفى واستقبالها للسفير الإسرائيلى : سيناريو آخر قبيح لواقعنا المرير .. بالمناسبة سمعت أيضا شيخ الأزهر المبجل وهو يدافع عن مصافحته لشيمون بيريز قائلا : وما أسلمش عليه ليه ؟ هو إحنا هنخاف منهم لإمتى وليه ؟ .. بارك الله فيه وفى الأخت هالة رئيسة تحرير " الديموقراطية " اللى متبعترة فى كل مكان صراحة ..

· درجة الماجستير الفخرية لمعتز الدمرداش وطارق علام ومحمود سعد : يلا خليها تكمل ماحدش واخد منها حاجة .. الصراحة أكتر واحد مضايقنى هو ميزو اللذيذ الرايق اللى خلانى أغير 20 مرارة لحد الآن ولولا حاجتى لمعرفة الأخبار يوما بيوم لما استمعت إليه وخاصة وبرنامج العاشرة مساء موعده هنا متأخر جدا بسبب فارق التوقيت ..

· واحد من الناس : عمرو الليثى واحد من الناس يخيل إليك أنه محامى الفقراء والباحث عن الحق والفضيلة ، لكنه بعد أن يتحفنا كل حلقة بمآسى الفقراء وإهمال المحافظين والمسئولين وقلبه الحنين اللى بيتقطع عشان البلد ، أجده فجأة يستضيف الفنانة الرهيبة يسرا أو الفنان المريع عادل إمام ليتكلما عن الفقراء وحال البلد ويفتيا فى كل شيء بجهل فظيع فى حين يفخم هو فيهما وفى دورهما الرائد وأمثالهما من الفنانين العظماء .. طيب ليه والمفروض إنه فاهم .. وكيف نصدق خوفه وإخلاصه وهو يمجد التافهين ؟! ..

· الطبعة الأولى : حزنت لتوقف برنامج أحمد المسلمانى الرائع الذى أعتبره واحدا من الإعلاميين الشرفاء ، لكنه عاد ولله الحمد وقيل إن السبب تجاوز المسلمانى المعتاد فى حديثه عن بعض الوزراء .. المسلمانى جرئ ومخلص إخلاص البسطاء بلا ادعاء ولا محاولة تفخيم الذات وهو فلاح قرارى على ما بدا لى ..

* كالمعتاد قضايانا الحقيقية فى واد ونحن فى واد .. لكن برضه ما علهش الأرض بتتكلم عربى ..

- كانت هذه على عجالة بعض المتابعات الإعلامية لدولتنا الكوميدية وإلى لقاء .

11 أغسطس, 2009

( زهرة فى حضن الجبل )



صحراء جرداء بصهدها اللافح وجوها الموحش المفعم بالوحدة والقسوة .. بينما هى واقفة برقة شامخة .. زهرة برية فى حضن الجبل .. زهرة يانعة مترعة بالندى كأنما سقتها يد بستانى للتو بإفراط .. براقة زاهية بكل ألوان البهجة والمرح الطفولى .. عبيرها يفوح فى المكان بأريج خاص خلاب ومنظرها يبعث الحياة فى ذلك الموات والفراغ الموحش ، فإذا بالصحراء تصير مروجا خضراء تنبثق فيها ينابيع كثيرة صافية وتملأ قطرات الندى المكان فترفع يديك المبللة منه تمسح وجهك فى انتشاء ..
هذا المشهد هو ما تبقى بذهنى بعد أن غادرتنى تلك الفتاة .. تلك البنت المصرية شديدة التميز : ( ميادة رشاد بيوتيفول ) .. أو ( ميادة رشاد جميل ) كما تقول الأوراق الرسمية ..
هى واحدة من الفتيات المصريات التى تنفى فكرتك عن تفاهة الجيل الحالى وسطحيته .. كنت قد سمعت عنها باعتبارها قريبة زوجتى وكانت تدخل المدونة هنا لتقرأ كثيرا وتعلق أحيانا ومنذ يومين التقيت بها لأول مرة .. كنت على وشك مغادرة المكان واستحلفتنى هى أن أبقى وأبيت الليلة لنجلس ونتحدث .. فلم أندم على البقاء ..
طلبت منى ألا أفهمها خطأ فأفهم أنها تريد الحديث معى باعتبارى كاتبا أو شخصية شهيرة ، بل على العكس لكى تمنحنى شرف الجلوس مع شخصية عظيمة مثلها .. خفيفة الدم جدا بلا افتعال وذكرتنى على الفور بشخصية ( نسيم الروح ) فكلاهما من نوع البنت المجنونة العاقلة جدا .. اتصلت ميادة بيوتيفول بوالدتها تستأذنها فى التأخير قليلا فسمحت لها بالتأخير حتى العاشرة والنصف ولكن فيما يبدو أن ساعتها كانت على توقيت الصين لأن السهرة طالت وهى ولا هنا ..
المرح يشع من كلماتها وروحها القوية المتفائلة إلى حد ما قبل العبط بقليل جدا ..
هى خريجة جامعية حديثة ، تخرجت فى كلية الهندسة واختارت تخصصا نادرا للفتيات وتبحث عن عمل بطموح كبير أدعو الله ألا تفقده .. حدثتنى عن المدونة والمواضيع التى قرأتها والعبارات التى أثرت فيها وظلت تذكرها ، وعن طموحاتها و ( سميرة موسى ) التى تمنت أن تكونها منذ التحاقها بالكلية .. انطلقت قفشاتنا سويا بلا انقطاع ووجدتنى أغير رأيى فأدعو الله بأن يرزقنى بطفلة مثلها ذات يوم وقررت لحظتها أن أتحدث عنها هنا مسجلا اندهاشى بها ، مصحوبا بكثير من الدعاء والأمنيات لها فى حياتها الخاصة والعملية .. وأيضا ببعض النصائح وأهمها : الصبر .. وألا تترك طموحها يتحطم على صخرة الواقع المرير .. فستقابلين الكثير جدا يا ميادة .. ستكونين على صواب والجميع حولك يعلمون ذلك وسيطلبون منك فعل الخطأ .. سيكون عقلك متفتحا وناضجا ومتفهما لحقائق كثيرة ولكنهم سيطلبون منك أن تخلعى عقلك وتمشى حافية ، أو على الأقل سينصحونك ب " تكبير الدماغ " .. ستحاولين الصراخ وتقولينها زاعقة فى وجوههم : لأااااااااااا .. لكنها لن تصل إلى آذانهم سوى نعم خاضعة .. وقتها أتمنى ألا تفقدى آمالك وطموحك والأهم مرحك وشقاوتك وأدعو الله عندما نلتقى ثانية يوما ما ، أن أجدك دوما هكذا كما رأيتك بكل رونقك .. زهرة برية جامحة لا تذبل .. زهرة فى حضن الجبل .

04 أغسطس, 2009

( إمتى السفر إمتى إمتى .. إمتى السفر )


" العنوان سخرية من نفسى لكتابتى عنوان تدوينة سابقة : بكرة السفر بكرة بكرة بكرة السفر ، عندما كنت فرحا بعودتى إلى مصر "

قبيل عودتى إلى مصر حذرت نفسى كثيرا من التعليق على ما لن يعجبنى فى مصر ونويت ألا أقارن بين مصر والإمارات فى أى شيء ، وذلك حتى لا يقول البعض كالمعتاد : أيوة يا عم ما بقيتش مصر عاجباك .. بقيت أجنبى ومصر بقت كخة ...... إلخ ..

لكن دائرة المقارنات دارت رغما عنى ولم تتوقف لحظة واحدة حتى الآن ..

كانت الإجراءات فى مطار الشارقة فى غاية السهولة وكان بصحبتى زميلان عزيزان خففا الرحلة الطويلة فى المطار والطائرة وكان أجمل ما فى الرحلة أن السعيد تهور وعزمنى على شاى دفع فيه 26 درهما وهو يكاد يبكى وعندما قالت له مضيفة الكافتيريا فى المطار : twenty six dirham عمل فيها عبيط القرية وإنه مش فاهم كلامها ونادى علينا بصوت عال : يعنى كام يا إيهاب ؟ .. كام يا ياسر ؟ .. وعاندها فأعطى لها الستة وعشرين درهما كلهم فكة ومش عارف جابهم منين والله ..

مضى الوقت سريعا فى الطائرة وكان لى عام ونصف غائبا فكنت مشتاقا بالفعل إلى مصر ومستعد لتقبل أى متاعب هناك .. توقعنا فى مطار الإسكندرية أن نتعطل بسبب الكشف الطبى خوفا من أنفلوانزا الخنازيرولكن الله خيب ظننا فقد تم الكشف بسرعة البرق وذلك لأنه لا يوجد كشف أساسا ولا أى احتياطات كما نسمع فى الإعلام ليلا ونهارا .. خير .. الحقائب انتظرناها أكثر من ساعة ونصف لنزول 3 طائرات فى نفس التوقيت وطاقة المطار بالكاد طائرة واحدة والجمرك مهزلة بمعنى الكلمة كأنه تفتيش على مدخل عزبة صغيرة فى الأرياف ، بل لقد خرجت من المطار ببعض الحقائب ودخلت بدون جواز سفر دون أن يسألنى أحد عن شيء .. وجدنا سيارة من طرف السعيد فى انتظارنا وكنت أنا وياسر قد أعددنا طنا من أفخم الساندوتشات لإطعام السعيد المسكين طوال الرحلة وكان قد وعدنا بشهامة منقطعة النظير أن الساندويتشات فى مصر مهمته .. وبالفعل فتح أخوه الذى استقبلنا كيسا وأخرج منه بضعة أرغفة وعدة أقراص من الطعمية .. اشترى كل شيء بمفرده للتوفير طبعا .. مش غريبة ما هو أخو السعيد وانتم ما تعرفوش السعيد فاضحنا ف كل مكان .. طبعا أكلنا الطعمية اللى واحشانا بشراهة وسعادة ..

كان الطريق من المنصورة للإسكندرية مغامرة محفوفة بالمخاطر فالطريق فى غاية السوء وضيق للغاية والإشارات المرورية شبه معدومة ورغم أن السائق كان يطير إلا أن الله سلم ووصلنا بحمد الله .. انقضى يومان سعيدان بين استقبال الأهل والأصدقاء ومعرفة أخبار الجميع ، ثم بدأت الخروج .. المنصورة أصبحت كالقاهرة تماما فى ازدحامها الشديد وعدم النظام فى كل شيء .. وقفت فى شارع بورسعيد محدقا فيما حولى باستغراب حقيقى .. الشارع ليس فيه مكان لقدم والسيارات مكدسة فى كل مكان بطريقة مفزعة والقيادة هنا لا تحتاج إلى تدريب ومهارة ولكن المهم البلطجة والتهور وشغل الدراع ، وجعلنى هذا أتراجع فورا عن رغبتى فى استئجار سيارة أقضى بها الإجازة فقد حصلت على رخصة القيادة من الإمارات قبيل نزولى مباشرة بعد معاناة طويلة .. وأراد أحد الأصدقاء العائدين مثلى تأجير سيارة فاكتشف أنها ستتكلف 300 جنيه فى اليوم الواحد !! .. أما عن المواصلات فحدث ولا حرج .. فالمواصلات العامة كالسرفيس وخلافه علب سردين ونادرة جدا من الأساس ، أما التاكسى فقد أصبح خيالا علميا فالمعتاد أن تقف ما يقارب الساعة لتحظى به لأنه ينتقى الركاب بعناية فائقة ويرصهم رصا داخل التاكسى فى المشوار الواحد ، ويكفى أن أقول إن صديقا عائدا أيضا اتصل بى للسؤال عنى فسألنى بجدية :

- إيهاب إنت جاى من إمتى ؟

- من شهر تقريبا ..

- وقفت تاكسى ولا لسة ؟ ..

والغريب انتشار ذلك الكائن الكريه المسمى التوك توك فى المنصورة والخلل الذى يحدثه فى الشوارع لأن معظم سائقيه من صغار السن .. وبهذه المناسبة فقد سألنى صديق سؤالا علميا عجزت عن إجابته فقال :

- لو معاك جنيه واحد وعايز تروح القمر تعمل إيه ؟

- مش عارف ..

- تعمل عملة سودا توديك ورا الشمس ومن هناك تاخد توك توك بجنيه يوديك القمر .. هههههههههههههه ..

وهكذا دائما فالشعب المصرى قادر على تحمل كل النوائب بصبر عجيب ممزوج بخفة الدم ..

( الصورة بالأعلى من جريدة الإمارات اليوم – عدد 21 يونيو 2007 .. اضغط على الصورة لقراءة الخبر كاملاً .. نقلا عن مدونة إماراتية كتب صاحبها مع الخبر :

اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه وأن لا يكون المسؤول عن المشروع من المصريين ) .

ومن النوائب الغريبة التى ضايقتنى ، اختفاء صناديق القمامة من الشوارع نهائيا وأقسم أننى مشيت مسافة تقارب الكيلومتر بحثا عن صندوق فلم أجد فاضررت لوضع كيس القمامة فى الشارع .. وأين ؟ .. بين حديقتين .. فبين كل حديقتين هنا تجد كومة كبيرة من القمامة .. عدت إلى البيت مستفسرا فقيل لى إن هذا هو الحال الآن وعليك أن تختار الحديقة المناسبة بمعرفتك .. هى الحكومة هتعمل إيه ولا إيه ..

أما المصالح الحكومية فقد تطورت تطورا مذهلا فمنذ عشر سنوات تقريبا ونحن نسمع عن الحكومة الإلكترونية وتسهيل خدمات المواطنين ولكن يبدو أن علم الإلكترونيات توقف هنا عند الراديو الترانزيستور على أقصى تقدير .. فالروتين والتخلف الوظيفى منتشر كالمعتاد وعليك لتوقيع أى ورقة أن تنزل وتطلع عشرات المرات حتى تطلع روحك نفسها ولحسن حظى المعهود فقد وجدت مشكلة فى إجازتى السنوية حيث كانت من شهر فبراير إلى فبراير التالى فوجدتهم قد جعلوها إلى أغسطس فقط نهاية العام الدراسى وطلبوا منى تجديدها كل سنة من أغسطس حتى فبراير ، أى أن أقوم بإجراءات الإجازة مرتين فى السنة وقد ظللت يوما كاملا – ركبت فيه 7 تاكسيات والله العظيم – لأفهم فقط ما السبب فى ذلك وبالطبع لم أفهم شيئا مع العلم أن زملاء كثيرين مثلى جددوا إجازاتهم عاما كاملا وهم معى فى نفس الموعد تقريبا .. فى الإمارات داخل أى مصلحة حكومية تجلس محترما منتظرا دورك الرقمى وتذهب إلى موظف واحد ينجز لك عملك على الكمبيوتر فى عدة دقائق ، سواء فى المستشفى أو الشرطة أو المرور أو المنطقة التعليمية وخلافه .. فى الإمارات عمال نظافة يدورون فى الشوارع ليلا ونهارا والشوارع تبدو كأنها مغسولة دوما .. عندما يقع حادث مروري ينزل القائدان بهدوء من سيارتيهما ويتصافحان ويتصل أحدهما بالشرطة مبتسما فتأتى سريعا وتقوم شركة التأمين بالإصلاح وينتهى الأمر .. وعندنا ينزل القائدان وبيد أحدهما شومة وبيد الآخر مفتاح إنجليزى وتتفجر الشتائم وربما الدماء وتأتى الشرطة بعد مدة طويلة لتقف فى صف القوى ومن لديه واسطة فقط .. إنهم ليسوا أفضل منا .. نحن نمتلك مقومات حضارية كثيرة عبر التاريخ وقدرات مذهلة فى العمل والإنتاج وطاقات إنسانية فى غاية الجمال والنبل .. ولكن كل هذا توارى تحت ضغط حياة لا ترحم واقتصاد بالغ السوء وحكومة تضغط وتضغط على الناس وكلها ثقة فى تحملهم المستمر .. هناك فى الخارج ، قوانين تحترم إلى حد كبير وعندنا توضع القوانين لتخترق فقط .. هناك تدخل لتشترى أغراضك ببساطة وسرعة دون أن تشعر أن أحدا يسرقك وهنا تشعر دوما أن أحدهم يضع يده باستمرار فى جيبك .. فالاستغلال لأقصى حد وفى كل شيء ..

إلى أين نسير ؟..

03 أغسطس, 2009

حلقة عن مدونتى فى إذاعة البرنامج العام