عمر وباسل

Your pictures and fotos in a slideshow on MySpace, eBay, Facebook or your website!view all pictures of this slideshow

الاثنين، 8 سبتمبر، 2008

وجوه نبيلة


 ) - 6  وجوه نبيلة )   " قصتان "

1- " أبلة زينب "

دمها خفيف جداً .. تتنفس الضحك ، كنت أعرف .. حتى وهى تشتم البنات فى الفصل تنتقى شتائمها بكوميديا خاصة تضحك البنات وتدفعهن لتسجيل سيل الشتائم اللذيذة فى آخر كراسات العلوم .. لكن اكتشافى  الحقيقى لها لم يبدأ إلا وهى تتأبط ذراعى فجأة وتنتزعنى من الباص قبل وقوفه لتجبرنى على الجرى معها ، متجاهلة كل نظرات استنكار الزملاء وهى تعلن بصوت عال أننى مخطوف طوال الرحلة .. سنواتها الأربعون تجعلنى أصر على: "أبلة زينب" بينما تهمل ببساطة كلمة أستاذ .. حذرتنى من تصديع رأسها بحرف واحد من الأشعار  الكئيبة التى لا تعرف كيف أحفظها ، ولم تنقطع قفشاتها لحظة واحدة ... لا أعرف كيف كبح "إبراهيم باشا" رغبته فى العدو خلفها بحصانه لما أعطتنى الكاميرا لأصورها وهى تخرج لسانها لـ "أبو خليل" كما أطلقت عليه .. لن أنسى منظرها فى حديقة الحيوان عندما سألتها لماذا تحرص على تصوير "السيد قشطة" بالذات ، انحنت أمامه بإجلال وهى تهمس بجدية مصطنعة : إنه أحد أفراد العائلة المحترمة .. ضبطتنى فى "خان الخليلى" متلبساً بشراء مكحلة تذكرنى بمصباح "علاء الدين" ، فسألتنى ضاحكة عن اسم محبوبة القلب .. تركتها تستدرجنى للحديث عن نفسى وأنا ألاحظ تهربها الدائم من إجابة سؤال واحد عنها ... وجهها معبر جداً ويحمل كثيراً من نبل عالم مفقود ؛ اعترفت لها ، ثم تجرأت أكثر فتمنيت ألا تفسد ملامحها الرائقة بالأصباغ هكذا ..

شكرتنى بابتسامة شاردة ، قائلة إن وجهها العجوز لا يصلح بكل أسف ملهماً لى .. قلت لها إن مكانها الحقيقى ليس هنا ، ولما سألتنى باهتمام : أين ؟ ، أجبت ضاحكاً : "فى النار" .. زلزلتنى صرختها وهى تدفن وجهها بين كفيها ، لتسافر ملامحها بعيداً خلف عدة قطرات ملحية غالية ... خيل إلىّ أنها استرقت النظر إلى نقطة ما خلفى ، لكننى لم أجد سوى لافتة مستشفى الحسين حيث اتفق أفراد الرحلة على التجمع .. بسرعة اتجهت إلى الباص وتركتنى حائراً فى سر انطفائها المفاجئ .

-------------------------------------------------------- 

2 - " ســــــوزان "

وجهها يراوغني مختبئا بمهارة بين باقات الزهور الصناعية على أرفف المكتبة .. لكننى لا أهدأ إلا حين أتشرب وجهها بنظرة وأحس بطعم ابتسامتها الطازجة فى فمى وروحى ... يعجز عقلى عن اختلاق أسباب تافهة أخرى للذهاب إلى هناك وترتفع بمؤشر مجنون تلال الأوراق التى أصورها دون حاجة ، فأقف أمامها صامتاً كتلميذ فاشل ، حين تسألنى ماذا أريد ...

من يومها وهى ترفض بإصرار تصوير أية أوراق لى .. أقسم كذباً أننى أريد تصويرها بحق ، فتقول إن علىَّ تصويرها فى مكان آخر إذن .. تحضر لى كرسياً وتطلب منى الجلوس وهى تتجاهل وتلعن كل الزبائن الذين يقطعون حديثنا .. اعترفت أنها كانت ترهف سمعها لتلتقط صوتى وأنا أشارك فى الإذاعة المدرسية .. من أين كنت أجئ بكل هذا الكلام وأنا الصامت دوماً .. يزداد تفاهمنا رغم ارتفاع الصوت بداخلى : فتاة مكتبة ؟!! .. لا يمكن .. تزم شفتيها الجميلتين بطريقة متفردة وهى تسألنى عن الفتيات اللاتى يظهرن معى فى الصور المبعثرة أمامها .. أقدم لها العقد المنتهى بقلبين صغيرين فتتراقص بعينيها دمعتان ، أكتب لها إهداء على قصتى المنشورة رغم ثقتي أنها لم تسمع اسم المجلة من قبل .. تفاجئني بوردة حمراء معطرة بنفس العطر الذى حذرتها من استعماله ...

فجأة تهتف – بفزع – صاحبتها الواقفة على الباب: أم كريم .. أم كريم .. أكتفى بابتسامة مطمئنة لأن صاحبة المكتبة تعرفنى جيداً ، بينما تفشل هي في تصنع الهدوء لحظة واحدة ، فتجمع الصور بارتباك لذيذ .. تبصر "أم كريم" كل شيء .. الصور .. العقد .. المجلة والوردة .. رغم ابتسامة "أم كريم" الهادئة ، تكذب هى بتلعثم قائلة إن كل هذه الأشياء تخصنى أنا .. تنفجر "أم كريم" ضاحكة وتلوح لها بالوردة التى ينبعث منها عطرها الخاص : "كلها يا سوزان ؟" ...

 أستأذن منصرفاً ، لكننى لا أنسى انتزاع الوردة من يدها برفق.

- تمت - ( 1997 ) إيهاب رضوان

ليست هناك تعليقات: