
( شخصيات عرفتها ) ( 2 – فؤاد حجازى )
لا تملك إلا أن تعشقه وتجله من المرة الأولى .. هو أبوك الذى تتمناه بحنانه الآسر وإنسانيته المفرطة .. عيناه بالفعل ينبوعا محبة وقلبه مترع بحب البشر جميعا والبسطاء خاصة .. هذا إذا وقعت عليه عيناك لأول وهلة ، أما إذا تعاملت معه فسريعا ستضرب كفا بكف متسائلا لماذا يتهمون إذن أيامنا هذه بالبخل والجدب ولا يزال هذا الكيان المدهش بيننا ؟! ..
كان لقائى الأول به فى جامعة المنصورة فى لقاء ثقافى كبير عقده نادى الأدب الذى كنت عضوا به ، كنت فى عامى الجامعى الثالث وأنا أرى بعينى كثيرا من مشاهير الأدب فى مصر لأول مرة .. فؤاد حجازى
و إبراهيم عبد المجيد وفؤاد قنديل وغيرهم كثيرا من كتاب القصة والرواية والشعر والنقد وكانوا سيعلقون على أعمالنا الأدبية من القصة والشعر.. اختاروا قصتى ( مكعبات ) من ضمن أفضل ثلاث قصص وحين علق عليها إبراهيم عبد المجيد وناقد آخر لم أعد أذكره ، أشادا بالقصة ولكنهما لم ينتبها إلى أن بطل القصة ليس هو الطفل ولكن الأب .. ظهر الأسف على وجهى وهم يتحدثون عن قصتى وهممت بالمقاطعة ، لكننى لمحت على وجهه – فؤاد حجازى – ابتسامة هادئة جعلتنى أصمت ، ولم يخذلنى وعندما تحدث وضح المقصود بالقصة وأثنى عليها ..
لم أكن قرأت له شيئا وقتها بكل أسف ولكن سمعت عنه الكثير ، تحدث معى بعد انتهاء الندوة وهنأنى مرحبا بى فى أى وقت وأعطانى رقم تليفونه ببساطته المعهودة .. تكرر لقائى به مرات فى عدة ندوات ولقاءات فى الجامعة وخارجها فى قصر الثقافة ثم تشرفت بزيارته فى المنزل عدة مرات .. ما إن أحادثه تليفونيا لأطلب موعدا للقاء حتى يغمرنى ببشاشته وترحيبه ، أدخل بيته الكائن فى حى الشيخ حسنين بالمنصورة فأشعر على الفور بحنين غريب ، فأنت معه بين يدى تراث خالد وأصالة نادرة وثقافة زاخرة وآراء ثاقبة .. وحنان غامر ..
نشرب الشاى ونتحدث .. يسألنى عن أحوالى الشخصية وكأننا أصدقاء ويتطوع بمساعداته لنشر قصصى .. وتمر سنوات لا أراه ولا أتصل به وإن كنت أسأل عنه دوما ، ثم أتصل به ذات يوم فأجده لا يزال يذكرنى قائلا : آه إنت بتاع المطرية .. إنت لسة بتشتغل هناك ولا رجعت المنصورة ؟ .. فأشعر بالتقصير تجاهه وبالحنين لأيام خلت كانت مليئة بالحراك والزخم على الصعيدين الإنسانى والأدبى ... ومضت سنوات أخرى ثم شاهدته فى برنامجى المفضل العاشرة مساء مع الساحرة منى الشاذلى فى حلقة رائعة عن نكسة 1967 بوصفه أحد الأسرى فى إسرائيل وقتها وكونه كتب روايته الخالدة عن تلك الفترة ( الأسرى يقيمون المتاريس ) .. تحدث ليلتها عن تجربة الحرب والأسر فكدت أجن لجمال حديثه فهو يتحدث عن الشخوص والأحداث بطريقة غير عادية تتدفق منها إنسانيته الرائعة وبكى وبكت معه منى الشاذلى وهو يصف فرحة الأسرى حين تذكرهم الهلال المصرى وبعض الجهات المصرية فى الأسر وأرسلوا لهم بعض الهدايا والأطعمة البسيطة ملفوفة فى ورق الجرائد ، فتركوا كل شيء وتهافتوا على ورق الجرائد يتنسمون فيه أخبار حبيبتهم الغالية مصر ونسوا جراحهم التى كان الدود منتشرا فيها منذ شهور .. ياااااااه .. بكيت بالفعل لحظتها وأكبرته مئات المرات عن ذى قبل وزلزلنى صوته المتهدج وهو يواصل الحكى ...
وُلد فؤاد حجازى فى المنصورة عام 1938 والتحق بكلية الحقوق ثم فُصل منها بسبب نشاطه السياسى الذى تسبب فى سجنه عدة مرات كان أولها عام 1959 ولمدة ثلاث سنوات تقريبا ، ثم أربعة أشهر فى عام 1971 وأخيرا شهرين فى عام 1977 ، بالإضافة إلى ثمانية أشهر فى سجن عتليت الإسرائيلى عقب أسره فى 1967 .. وتخصص فى الكتابة عن أدب المقاومة والحرب ولكنه كتب حتى للأطفال وهو صاحب تجربة رائدة فى النشر له وللآخرين بسلسلته أدب الجماهير التى نشرت وتنشر عشرات من الأعمال المتميزة وظل طوال عمره مخلصا لقلمه وأناسه البسطاء والفقراء ولم يستجب أبدا لنداء الشهرة فلم يبتعد عن المنصورة .. له حوالى 30 كتابا ما بين القصة والرواية والسيرة الذاتية والنقد أولها رواية ( شارع الخلا ) عام 1968 وآخرها (كعكة للصبى ) عام 1990 وعدة قصص للأطفال وترجمت روايته ( الأسرى يقيمون المتاريس ) إلى الروسية وقصته ( النيل ينبع من المقطم ) إلى الإنجليزية وهناك الكثير من الدراسات حول أعماله المتميزة وبعض رسائل الدكتوراة ..
الواقع أننى مغرم بروايته ( الأسرى يقيمون المتاريس ) وتمنيت لو كانت معى هنا فأعرض لكم أجمل مقاطعها ، الرواية نموذج رفيع لأدب المقاومة فالعدو قاس لا يرحم منع الطعام والماء عنهم والاستحمام ومداواة الجروح حتى أصبح الجريح يرى بعينيه الدود ساريا فى جسده ، لكن كل هذا لم يمنع الأبطال الأسرى من المقاومة ولكن على العكس دفعهم للإبداع فأصدروا من أكياس الأسمنت صحفا ومجلات يومية وكونوا فرقا موسيقية بدائية .. أنا مضطر للاكتفاء بعرض المقاطع الموجودة فى بعض الدراسات عنه على الإنترنت .. يقول فيها :
(جاء الليل غير هياب ، احتل العدو المحطة التي أرقد فيها مع خمسة من الجرحى . نصبوا المدافع فوق رؤوسنا تماماً ووجهوها ناحية البحر. تلفت حولي أفتش في الظلام ، وجدتُ وجوهاً لم أتبيّن ملامحها. وكان زملاؤنا قبل رحيلهم قد تركوا لنا بعض الذخيرة في فناء المحطة، امتدت لها نيران الحرائق. ظلت تنطلق دون توقف على فترات متباعدة. وكان في الفناء بعض دجاجات، ملك لعمّال المحطة فيما يبدو، تركوها وهم في عجلة من أمرهم، وبين كل دانة وأخرى تصيح الدجاجات المذعورة صيحات يائسة، وبين حين وآخر نسمع صيحات إحداها وقد تحشرجت، وتصمت الأخريات كأنما تمنح لها الفرصة لتنتهي في هدوء ) ..
(طوال الليل أسمع قصف المدافع وحركة الجنود الإسرائيليين فوق سطح الحجرة التي نرقد داخلها، وأتوقّع النهاية بين لحظة وأخرى. أخذت أبتهل إلى الله أن ينجيني. ليس من أجلي .. أعلم أني عاق .. ولكن .. من أجل زوجتي. أخذت أسأل الله: ما ذنبها حتى تترمّل مبكراً؟! وقد تزوّجنا عن حب، ولم يمض على زواجنا أربعون يوماً … في الحقيقة عجبت من نفسي. كنت وأنا في الطريق للجبهة أستهين بالموت وأرى فيه راحة، وعلى الأقل الواحد يخلص من مرضه، فأنا مُصاب بالتهاب مزمن في القولون يجعل حياتي جحيماً. ولكن الآن كل ذرة في كياني ترغب في الحياة وتتشبث بها في قوة. أعاود دعاء الله: حياتي لا تهم .. فقط من أجل المسكينة زوجتي ) ..
(كنا نقرأ رسائل بعضنا، ونشعر بأن أي رسالة موجهة إلينا جميعاً، وإن كان من لا تصله رسالة يظل حزيناً ساهماً الليل كله. حتى بدر الذي لا يكف عن الصخب، والذي يُعلن ـ بمناسبة وبدون مناسبة ـ أنه لا يهمه ولو مكث هنا بضعة سنوات دون وصول رسائل إليه، وجدناه مرة مختلياً بنفسه يدمع، وعلمنا منه فيما بعد أنه ترك زوجته حاملاً، ويودُّ أن يطمئن عليها وعلى الوليد إن كانت قد وضعت، وأخبرنا أن أخاه كان في سيناء، وآخر في اليمن، ولا يعلم عنهما شيئاً، ولم تصله أي رسالة من مصر حتى الآن ) ..
(بعد مشادة كلامية رضخ على مضض، وهو يقول:
ـ أنتم يا جماعة نسيتم أنكم سجناء .. أسرى.
أجبناه وعجبه يزداد:
ـ نحن لسنا أسرى يا ميخا .. نحن مقدمة للجيش المصري في عتليت )
(فوجئنا بأحد الحراس يقطع المياه … كان زكريا يشرب ساعتها، طلب من الحارس إسالتها لمدة بسيطة حتى يُنهي كل فرد ما في يده، ثم يقطعها، رفض الحارس. لم يكن عندنا ماء للشرب، فطلبنا فتح المحبس حتى نملأ أوعيتنا، لم يُعرنا الحارس التفاتاً. ذهب زكريا وفتح المحبس بنفسه، معرضاً نفسه لضرب النار، لأن المحبس يقع بعد الخط الأبيض المحرم علينا اجتيازه. وقف حراس البوابة مبهوتين. لم يجرؤ أحدهم على التقدم نحو زكريا. زكريا مربد الوجه، عيناه تكادان تُطلقان شرراً. قامته العملاقة تُوحي أنه سيحطم من يقترب منه )
ولكاتبنا العظيم رواية ( الرقص على طبول مصرية ) يتناول فيها حرب أكتوبر المجيدة وهى لا تقل جمالا عن ( رواية الأسرى يقيمون المتاريس ) التى أقام بها كاتبنا متراسا عاتيا بيننا وبين اليأس ..
أستاذى الحبيب .. أطال الله عمرك الجميل وأنعم عليك بالرضا والصحة فأنت شعلة من الجمال الإنسانى لن تنطفئ ، ستظل تضئ لنا عالما خلا من الجمال أو كاد .
• طالع هنا قائمة تفصيلية بأعمال فؤاد حجازى .